عندما تهتز الموازنات العامة في الدول يلجأ أهل السلطة الى السلّات الضريبية سواء لتحقيق التوازن بين النفقات والايرادات ، او لسد العجز وتخفيضه او حتى لتحقيق الفائض المطلوب .

 

لا يمكن تجاهل أهمية ​الضرائب​ بالنسبة للYقتصاد، لأنها أهم مصدر للإيرادات ولو كانت تمثل العبء الثقيل للمواطنين. لذا فتحديد نسب الضرائب التي ينبغي جبايتها أمر مهم جدا في حفظ التوازن الاقتصادي لأي بلد. من هنا تأتي أهمية فهم أنواع هذه الضرائب وطريقة تأثيرها على حياة الافراد .

 

التعريف الأبسط للضريبة هو أنها رسوم إلزامية تفرضها ​الحكومة​ على المواطنين بهدف جمع الإيرادات اللازمة لتمويل نفقاتها دون الحصول على منفعة محددة في المقابل.

 

أما في التعريف القانوني وفق منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية فيقتصر مصطلح "الضرائب" على أنها" المدفوعات الإلزامية دون مقابل التي يدفعها المواطنون إلى الحكومة العامة".

 

هناك نوعان من الضرائب ؛

 

الضرائب المباشرة وهي الضرائب التي تُدفع مباشرة من قِبل الأفراد والشركات الى الحكومة. ويستند هذا النوع من الضرائب إلى مبدأ القدرة على الدفع حيث إن من يملك قدرًا أعلى من الموارد (راتبًا أكبر أو أرباحًا أكثر) يُفرض عليه نسبة أعلى من الضرائب.

 

والضرائب غير المباشرة وتعرَّف بالتي لا يدفعها الأفراد والشركات إلى الحكومة بشكل مباشر لكنها تُفرض على إنتاج السلع والخدمات وبيعها.

 

اليوم الضرائب تثقل هيكل الاقتصاد ولا تنقذه ، تطرد قطاع الاعمال ولا تشجعه ، تُفرغ جيب المواطن ولا تنصفه . فاين هي العدالة الضريبية ؟

 

لا شك انها صفةٌ من الصفات التي تتميّزُ بها الضريبة وتساهمُ في توزيعِ الضرائب بين المواطنين بأسلوب عادل، من خلال الاعتماد على مجموعة من الاستراتيجيات الماليّة التي تُنظِّم الطُرق المتبعة في تطبيقِ النظام الضريبي، وتُعرفُ العدالة الضريبية أيضاً بأنّها الإنصافُ بتوزيع الأعباء الضريبية على السكان؛

 

اين هو لبنان من العدالة الضريبية؟

 

كيف تكون الضريبة عادلة وما هي متوجباتها ؟

 

ما هي اهمية الضريبة الموّحدة والضريبة التصاعدية ؟

 

من المعروف ان البنك الدولي طالب بضرورة توزيع العبء الضريبي على كافة شرائح المجتمع . لماذا لم يتم اللجوء لغاية تاريخه الى هذا التدبير؟ هل الاسباب سياسية ام تقنية ؟

 

ماذا حملت موازنة 2019 على هذا الصعيد؟

 

الحاج

 

يقول الخبير الاقتصادي الدكتور ​رازي الحاج​لـ" الإقتصاد " : من الضروري التمييز بين انواع الضرائب وهي نوعان؛ ضرائب مباشرة وضرائب غير مباشرة . وعملياً الضرائب المباشرة هي اكثر عدالة ولكن اصعب تحصيلاً. وفي المقابل ، غير المباشرة هي اقل عدالة واسهل تحصيلاً. في هذا النوع الاخير، الفقير ومتوسط الحال يدفع مثله مثل صاحب المدخول المرتفع.

 

في الواقع، الضريبة في لبنان تفتقر الى اسس اقتصادية واجتماعية . وهناك تهرّب ضريبي واضح وكبير.

 

وليس من " داتا " معلومات عن جميع العاملين في لبنان من لبنانيين واجانب ونوع النشاط الاقتصادي الذين يقومون به؛ فالدولة غائبة عن مراقبة الارقام المالية الحقيقية . والرقم المالي لكل مواطن هو غير موّحد مع في كافة نشاطه الاقتصادي وازدواجية اعماله .كما ان ثمة مؤسسات منتشرة في كل المناطق ولكنها غير مسّجلة او بعضها مسجّل لكنه لا يعمل او ينتج. هناك حسابات مزدوجة في عدد كبير من الشركات والمؤسسات. لايوجد قاعدة بيانية لكل العمال اللبنانيين وغير اللبنانيين ولكل المؤسسات .

 

فالحكومات المتعاقبة اعتمدت على الضرائب غيرالمباشرة . واليوم، يتم التطرق في الموازنة الحالية الى قاعدة البيانات الموّحدة ، الى مشروع إنشاء بنك معلومات في وزارة المال يجمع البيانات المالية. كما تتطرق الموازنة الى عدد من الافكار منها :

 

تأطير مسألة الجباية وضبط التهرب منها او تمتينها كإلزام اي مؤسسة تجبي بنفسها رسوماً وضرائب بتحويلها مباشرة الى خزينة الدولة وعدم التصرف بها مباشرة ، وإلغاء مسألة الاقتطاعات التي تتم لصالح جهات خاصة مختلفة سواء اكانت نقابات ام صناديق بحيث تلحظ النصوص المذكورة تسجيل ايرادات جميع الرسوم والضرائب وفوارق التعرفات كعائدات للموازنة ايً كانت الجهة التي تتولى تحصيلها .

 

النظر في إلغاء الاعفاءات وفي تعديل التعرفة الكهربائية مع حماية الشطور الدنيا.وبعض الاقتراحات الاخرى لوزارة المالية للعمل على وضعها موضع التنفيذ، والتي تساهم في حال تبنّيها في تغطية جزء من العجز المشار اليه اعلاه. نذكر على سبيل المثال لا الحصر البحث في رفع نسبة الضريبة على الدخل لحدود 85% على كل من يستفيد من أجر خاص أعطي له من قبل الدولة بمرسوم او قانون او باي شكل آخر.

 

و كذلك نذكر ما يلي:

1- إلزام المؤسسات المرخّص لها بتوفير اجهزة لنقاط بيع (POS) او خدمات الدفع الالكتروني للمكلفين ، تزويد وزارة المالية بمعلومات تفصيلية عن هؤلاء المكلفين .

2- إلزام بعض المكلفين الذين يمارسون انشطة معينة اقتطاع نسبة من المبالغ التي يدفعونها الى مكلفين آخرين وتوريدها الى الخزينة.

3- إلزام جهات رسمية معيّنة احتساب وتسديد لصالح الخزينة نسبة من المبالغ التي تقبضها من مكلفي هذا النشاط. ويعتبر المبلغ بمثابة أمانة على حساب الضريبة.

4- إلزام المكلفين بتزويد وزارة المالية الكترونيا ً بياناً يتضمن ارقام الفواتير والمستندات المماثلة وقيمتها وقيمة الضريبة الواردة فيها ، واسم الزبائن وارقامهم الضريبية ، الصادرة عنهم او المستلمة منهم.

5- اعتماد التوطين لدى المصارف بصورة إلزامية لتسديد عدد من الرسوم (السير ، المياه، الكهرباء، الهاتف...)

6- الإجازة لإدارة الجمارك استيفاء مبلغ بنسبة محددة من قيمة كل عملية استيراد ، كأمانة على حساب ضريبة الدخل.

7- تحميل مكاتب التدقيق وخبراء المحاسبة المسؤولية عند تقاعسهم عن مكافحة التهرّب الضريبي .

8- إلزام المكلفين بضريبة الدخل تأدية الضريبة على الارباح عن الفترة الجارية مسبقاً على دفعات فصلية.

9- جعل مهلة تسديد الضريبة على المبالغ التي يتوقف عليها ضريبة المواد 41/ 42/ 43 فصلية بدلاً من سنوية.

10- وضع نص قانوني يحدد تعريفاً للتهرّب الضريبي .

11- إلزام المصارف عدم تسليم مال في حوزتها الى ذوي المتوفي إلا بعد إبراز هؤلاء شهادة من الدائرة المالية المختصة تثبت تأدية الرسم او عدم توّجبه ، او إلزامهم باقتطاع نسبة محددة من ذلك المال.

12- إلزام البلديات كل في نطاقها إجراء مسح ميداني للمؤسسات التجارية والصناعية والمهنية القائمة ضمن نطاقها ، وتزويد وزارة المالية بنتيجة المسح.

 

ويشير الحاج الى انه في لبنان هناك مدرستين اقتصاديتين تستخد مهما الادارة السياسية نفسها ؛ مدرسة تعلن عن هوية خدماتية للبنان قادرة على جذب رأسمال، وتطرح ادوات تحفيزية لابقاء نشاط هؤلاء في لبنان و تحوّلت مع الوقت الى باب للتهرب الضريبي للنافذين والمحظوظين من الزبائنية السياسية. فتم تخفيض الضرائب للفئات المقتدرة مثل اصحاب اليخوت، المؤسسات المليئة القادرة على الاستثمار بما يفوق ال 10 مليون دولار بحيث تعفى من ضريبة الدخل لمدة 10 سنوات. وفي الوقت نفسه، نفس الادارة السياسية تسوّق لمدرسة النظام الريعي التي ادت الى ارتفاع الانفاق بطريقة عشوائية وانفلاش حجم القطاع العام .

 

للأسف ، يوجد اليوم في لبنان شريحة كبيرة تلامس الفقر، وهي من المكلفين غير القادرين على دفع الضريبة لتغذية مداخيل الخزينة . انه التوزيع غير العادل للثروات وللدخل .

 

من هنا، من الضروري مواكبة الاجراءات التي تهدف الى تخفيض الانفاق بإجراءات اضافية لتحسين الايرادات. لذلك اي تغيير في السياسة الضريبية يجب ان يتماشى مع الحاجة الى التخفيف من التشويهات وتعزيز مستويات العدالة والانصاف في توزيع العبء الضريبي .

 

من هنا نقترح ما يلي:

 

1- خفض الضرائب غير المباشرة التي تنطال الشرائح الاقل قدرة، و كحركة " مستقلون" طالبنا بإدخال بعض التعديلات على الضرائب غير المباشرة مثل الضريبة على القيمة المضافة وتم تقسيمها الى قسمين؛ قسم يُخفض الى 7% ويشمل السلة الاستهلاكية الموجهة الى متوسطي الدخل ، وقسم ترفع نسبته الى 15% وهي مرتبطة بالسلع التي تدخل في نطاق الكماليات والرفاهية كالمجوهرات ...

ان الضريبة على القيمة المضافة، ضريبة تنازلية و كونها توضع على المواد الاستهلاكية، فان تخفيضها يسهم في تفعيل عجلة النشاط الاقتصادي بحيث يقدم المواطن على الشراء مما يزيد حجم الاستهلاك و يضخ كتلة نقدية كبيرة في الاقتصاد.

2- اعتماد انظمة الضرائب التصاعدية التي تطال الطبقة الميسورة أكثر من الطبقة الوسطى والفقيرة، لان استبدال الضريبة النوعية على الدخل بالضريبة الموّحدة لا يراعي "العدالة الاجتماعيّة".

3- وضع ضرائب على الاراضي غير المبنية أو غير المستصلحة لتحفيز المواطن على استثمارها. و تحسين نسبة العائدات من الاملاك العامة خصوصاً كازينو لبنان، الاملاك البحرية والنهرية، قطاع الاتصالات، ......

 

ويعتبر الحاج انه مع توحيد الضرائب المباشرة يصبح عندنا بنك معلومات موّحد يربط وزارة المالية ، المصارف، نقابة خبراء المحاسبة ويضبط وضع الشركات ويمنع بالتالي التهرب الضريبي. واما الضرائب التصاعدية فيجب تطبيقها على الشطور وعلى الارباح ، على الخدمات التي تتضمن رفاهية، مثل صالون الشرف في المطارات، انواع ولوحات السيارات وتسجيلها....

 

ماذا يحقق الاقتصاد اذا طبق لبنان العدالة الضريبية ؟ هل من ارقام تساعد في إطفاء العجز في الموازنة؟

 

برأي الحاج انه استناداً الى الاحصاءات، فإن وقف التهرّب الضريبي سيؤمن ما بين مليار و100مليون دولار ومليار و500 مليون دولار سنوياً ، وذلك من خلال ضبط التهرّب الجمركي دون احتساب ما يحصل في المناطق.

 

وتساءل لماذا لايتم ضبط اوضاع العمال الاجانب على كافة الاراضي اللبنانية بحيث تُدفع ضريبة على دخول هؤلاء .

 

اما لناحية العوائق التي تحول دون تطبيق العدالة الضريبية وعما اذا كانت سياسية او تقنية يعتبر الحاج انها سياسية وتقنية معاً. فالدولة تريد زيادة الايرادات من جيوب متوسطي الدخل ما وضع هذه الفئة في مستوى الطبقة الفقيرة ، بينما في المقابل تقف عاجزة عن تحصيل الثروات وتحقيق الارباح.

 

في الاسبوع ما قبل الأخير من آيار ، مجلس الوزراء لم يفرج عن الموازنة . الاختلاف كبير في وجهات النظر و درب ضبط الانفاق طويل بدون التمكن من تحديد النتائج والمصير، خصوصا ان هناك محطات مقبلة في البرلمان .