تستمر الحكومة ال​لبنان​ية بمناقشة موازنة العام 2019، التي من المتوقع أن تنتهي قبل نهاية شهر أيار، أي قبل الدخول بالشهر الأخير من النصف الأول. ومع استمرار إضرابات وإعتصامات الموظفين من كافّة الإدارات العامّة والوزارات رفضاً لأي مساس بمخصّصاتهم، لا تزال معالم ​الموازنة​ غير واضحة حتّى اليوم، إلا أن هناك إصراراً على ضرورة التقشّف لضمان الحصول على 11 مليار دولار من قروض وهبات تعهّد المجتمع الدولي بتقديمها في مؤتمر "سيدر" العام الماضي.

 

يأتي ذلك في الوقت الذي تعدّ فيه دول المنطقة الخطط التحسبية لأي تطور قد يطرأ نتيجة التوتّرات الجيوسياسية، وذلك بعد الهجمات الأخيرة التي طالت 4 سفن نفطية قبالة ساحل الفجيرة الإماراتية، واستهداف جماعة "أنصار الله" اليمنيةمنشآت "أرامكو السعودية" في الرياض بطائرات ميسّرة، ذلك عدا عن التوترات التجارية بين بكين وواشنطن.

 

إلى أين ستتجه الحكومة اللبنانية في ملف الموازنة؟ ما هي الإجراءات التقشفية المطلوبة وتلك التي ستؤدي لنتائج عكسية؟ ما هو تأثي التوترات في المنطقة؟ وإلى أين سيتّجه ملف التجارة العالمية؟ لمعرفة المزيد حول هذه المواضيع كان لـ"الإقتصاد" هذا اللقاء مه الخبير الإقتصادي د. سمير الضاهر:

 

 

- مع ضغط الشارع عبر الإعتصامات والإضرابات، هل ترى أن الحكومة قادرة فعليا على فرض الإصلاحات المطلوبة والسير بقرارات غير شعبوية في الفترة المقبلة ؟

 

الموضوع اليوم لم يعد إصلاح بل تصحيح لما نتج عن سياسات اقتصادية خاطئة استمرّت لسنوات، وهذا التصحيح له كلفة يجب أن يتم توزيعها على شرائح المجتمع بشكل عادل، لتكون مقبولة اجتماعيا وقابلة للتنفيذ سياسياً. الغني يجب أن يتحمّل جزء أكبر من كلفة التصحيح مقارنةً بما ستتحمّله الطبقتان المتوسطة والفقيرة.

ولتتمكّن الحكومة من تمرير هذه الخطة التصحيحية، يجب أن تقدّم شرحاً واسعاً ووافيًا، يوضح بأن الوضع الذي نعيشه بات يستدعي المعالجة.

التدابير التي ستتخذها الحكومة يجب أن تكون مقنعة، حتى وإن كانت هذه القرارات ليست ذات تأثير كبير في تقليص العجز، يجب أن تكون ذات تأثير معنوي، كتخفيض التفاوت بين الرواتب والأجور والمخصّصات. لا يجوز أن نرى رواتب تتجاوز مئة مرة الحد الأدنى للأجور. هناك بين 10 و 15 مؤسسة من مرفأ بيروت الى كازينو لبنان وغيرها، تشبه مغارة علي بابا، هذا الموضوع يجب أن تتم معالجته، بالإضافة الى ضرورة دمج العديد من المؤسسات وتوزيع فائض الموظفين بين الوزارات.

وهل يجوز أن تستمر وزارة المهجرين أو صندوق المهجّرين بعد 45 عاماً من الحرب؟ وهل لبنان يحتاج الى 30 وزارة بمبانٍ وموظفين بينما تسير الولايات المتحدة بـ14 وزارة؟ هل من المقبول تقليص الرواتب بـ10-15% دون الأخذ بعين الإعتبار التفاوت بأحجام الرواتب؟ العدل ليس بالمساواة.

 

 

- في موضوع الموازنة المطروحة، يرى بعض الخبراء أن التقشف سيخدم الاقتصاد في حين أن البعض الآخر يؤكد العكس. أي نظرية تؤيد؟

 

ما يحدّد تأثيرات التقشّف هو التنفيذ، التقشف هو تقليص النفقات وزيادة الإيرادات. بالنسبة للنفقات هناك الكثير من مكامن الهدر في لبنان يمكن تقليص النفقات عن طريقها دون المس بالحقوق المكتسبة.

لا يمكن اتخاذ التدابير التقشفية بغض النظر عن الواقع الذي نعيشه في المالية العامّة والإقتصاد.

هناك بعض التدابير التقشفية التي قد تؤذي الإقتصاد.ففي حال الركود الإقتصادي يجب تشجيع الإستهلاك وليس العكس.

مثال على ذلك،زيادة الضريبة على القيمة المضافة يؤمن إيرادات أكثر للخزينة نعم، (كل نقطة زائدة تمثل عائدات بـ220 مليون دولار) ولكن اقتطاعها من جيب المواطن الذي يستخدمها في الإستهلاك وتحريك عجلة السوق لتمويل سدّ العجز والتوظيف غير المجدي لن يكون أمر صحيح.

كما سمعت أن هناك طرح لفرض ضريبة 3% على الإستيراد، أود الغشارة هنا إلى أن تأثير هذه الضريبة تماماً كما تأثير الـTVA لأنه سيتم اقتطاعها من جيب المستهلك فتؤدي الى تباطؤ الحركة التجارية.

 

 

- عالمياً، هل سترضخ إيران برأيك لتأثير العقوبات، وهل ترى أنها قادرة على تنفيذ تهديداتها بإغلاق مضيق هرمز؟

 

إن إغلاق أي ممر مائي دولي - خاصة مضيق هرمز - سيكون إعلان حرب ، حرب لا تريدها إيران ولا تريدها الولايات المتحدة الأميركية (وهنا نذكرعندما أغلق الرئيس الراحل جمال عبد الناصر مضيق تيران، مدخل خليج العقبة، وأعطى إسرائيل ذريعة لشن هجوم حزيران 1967 على مصر).

الولايات المتحدة في هذه المرحلة تحاول ممارسة أكبر قدر ممكن من الضغط عبر العقوبات آملة في ذلك أن تأتي إيران الى طاولة المفاوضات.

 

 

- هل ترى الوصول الى اتفاق تجاري أميركي صيني قريب، أم بات من الصعب التفاهم بعد الرسوم الأخيرة؟

 

الصين ذكية جدّاً في السياسات الإقتصادية، فهي تلجأ الى خفض سعر الصرف لتتمكن من التصدير أكثر. كما أن هناك مضاربة غير مشروعة بينها وبين الدول التي لديها معايير بيئية عالية وحد أدنى للأجور أعلى من الحد الأدنى في بكين. والولايات المتحدة لديها مآخذ تجارية حقيقية على هذا الصعيد، ولكن أعتقد أن الموضوع حسّاس جدًّا، فهناك علاقة حميمة جداً بينهما. قسم كبير من الإنتاج الأميركي الإلكتروني تستخدمه الصين.

أعتقد أن المفوضات ستستمرّ وسيتوصّلون لاتفاق.