مازال مشروع ​الموازنة​ للعام 2019 يُطبخ على نار هادئة في ​الحكومة​ رغم الأوضاع الملحة التي تتطلب إنجاز المشروع في أسرع وقت ممكن، ويبدو أن الحكومة تعمل حاليا على الصياغة الأخيرة لمشروع القانون تمهيدا لإقراره ورفعه إلى مجلس النواب قبل نهاية الشهر الجاري، ليسلك طريقه الطبيعي نحو وضعه موضع التنفيذ.

 

إلا أن الصيغة النهائية لمشروع قانون ​الموازنة​ - كما ستخرج من ​مجلس الوزراء​ إلى المجلس النيابي - قد طرأ عليها تعديلات جوهرية مقارنة بالنسخة الأساسية لمشروع القانون، وتظهر هذه التعديلات في البنود المتعلقة بحسم جزء من رواتب وتعويضات ومعاشات التقاعد لموظفي ​القطاع العام​، إضافة إلى السلك العسكري، وكان واضحا ان تحركات الشارع قد إنعكست على مناقشات جلسات مجلس الوزراء، هذا مع الإشارة إلى تراجع مجلس الوزراء كليا عن مد اليد إلى معاشات ورواتب موظفي مصرف ​​لبنان​​، إضافة إلى تراجعه عن محاولة حصار القرار في المصرف المركزي.

 

وهذا يطرح تساؤلات كثيرة، عما إذا كانت الحكومة الحالية قادرة فعليا على فرض الإصلاحات المطلوبة والسير بقرارات غير شعبوية في الفترة المقبلة ؟ وعما إذا كان هناك أبواب أخرى أمام الحكومة لخفض العجز دون المس فعليا برواتب القطاع العام ؟ وهل من الممكن الإستمرار بقطاع عام يشكل 25 % من حجم اليد العاملة في البلد ؟ وما هي الإرتدادات على الإقتصاد في حال الإستدانة عبر "سيدر" مقابل إصلاحات شكلية لا تدخل في العمق ؟

 

أسئلة كثير أجاب عنها الوزير السابق للإقتصاد ​رائد خوري​في مقابلة خاصة مع "الإقتصاد".

 

 

بعد التخبط الذي نراه في الحكومة حيال ملف الموازنة وضغط الشارع عبر الإعتصامات والإضرابات .. هل ترى الحكومة قادرة فعليا على فرض الإصلاحات المطلوبة والسير بقرارات غير شعبوية في الفترة المقبلة ؟

 

حتى الان لا أرى أي توجه جدي لإصلاحات في العمق، خاصة أن النقاط التي تتم مناقشتها تعد إصلاحات خجولة إلى حد ما.

 

فرفع الضريبة على الودائع من 7% إلى 10%، إضافة إلى الضريبة الموجودة على الأرباح ومساهمة مصرف لبنان بسندات خزينة بقيمة 12000 مليار ليرة، يؤدي إلى تأمين مدخول إجمالي بحوالي 1.5 مليار دولار، وهذا الرقم يساهم في تخفيض العجز البالغ 11% في العام الماضي، بنسبة 3% تقريبا، وهذا امر جيد ولكنه ليس كافي.

 

فالمطلوب برأيي هو الذهاب نحو العمق والبدء بإصلاحات جوهرية عبر مكافحة ​الفساد​ ووقف الهدر الحاصل، فالدولة يجب أن تبدأ من نفسها أولا، ثم التوجه نحو المصارف، وفي النهاية يمكن الحديث عن تخفيض أجور، وإشراك الناس والمواطنين في ورشة الإصلاح.

 

فيجب على الجميع ان يعلم بأن القطاع المصرفي هو من يحمل الإقتصاد اللبناني، فنحن اليوم لا نملك إقتصاد فعلي، بل نملك قطاع مصرفي قوي قادر على دعم الإقتصاد الذي يعاني من مشاكل كبيرة، وبالتالي لا يجب ان نحمّل المصارف كل هذا العبء وكل التخفيضات التي ستحصل في الموازنة، لأن هذا الامر لن يستمر طويلا، وسنصل إلى مرحلة أصعب.

 

الحل هو بالعمل الجدي على تطبيق الخطة الإقتصادية التي وضعناها في الوزارة، وان يلعب كل شخص وكل مسؤول دوره على اكمل وجه، لذلك أكرر بأنه على الدولة ان تلعب دورها وان تبدأ من نفسها عبر محاربة الفساد جدياً ووقف الهدر والسرقات، وبعد ذلك يمكن التوجه تراتبيا نحو المصارف ثم المواطنين، وبهذه الطريقة تكون الدولة قد قامت بالعمل المطلوب منها، وقالت للمواطنين والمصارف "انا قمت بكافة الخطوات المطلوبة منّي، والأن حان دوركم للمشاركة في ورشة الإصلاح".

 

 

هل توافق على ان حجم قطاعنا العام - الذي وصل إلى 25% من القوى العاملة في البلد - هو الذي يشكل العبء الأكبر على نفقات الدولة ؟ وكيف يمكن تقليص حجم هذا القطاع في ظل رفض الجميع لهذه الفكرة وفي ظل ظروف إقتصادية صعبة جداً؟

 

التعاطي مع هذا الموضوع من قبل الحكومة خاطىء جداً، فلا يمكن أن نقول للناس بأننا نريد تقليص حجم القطاع العام، قبل القيام بدورنا الحقيقي كدولة وكحكومة.

 

أعيد واكرر، المطلوب ان تبدا الدولة من نفسها اولا، وان تقول للناس لقد تم إيقاف الهدر والسرقات، والان حان دوركم للمساهمة والمشاركة.

 

فالمشكلة اليوم ليست ببعض الرواتب المرتفعة لموظفي القطاع العام، بل بعدد العاملين في هذا القطاع، وانا شخصيا كنت ضد إقرار السلسلة بالشكل الذي تم، خاصة انه تم إقرارها بدون أي إصلاحات وهذا ما زاد من كلفتها على الدولة، ولكن الان لم يعد بإمكاننا التراجع، ولا يجوز قانونا سحب السلسلة من الناس.

 

الحل الوحيد لخفض عدد العاملين في القطاع العام، هو العودة للخطة الأساس، وهي العمل على بناء إقتصاد قوي، والإهتمام بالقطاعات الإنتاجية من اجل خلق فرص عمل كافية، وهنا يمكن البدء بنقل جزء من موظفي القطاع العام إلى وظائف في القطاع الخاص. وهذا الامر لا يمكن ان يتم خلال أشهر أو سنة، بل يحتاج إلى خطة فعلية تمتد إلى 6 و 7 سنوات، وبعدها يعود القطاع الخاص هو العامود الأساسي للإقتصاد الوطني.

 

 

تجاربنا السابقة مع "الإستدانة مقابل إصلاحات" لا تبشّر بالخير .. فما هي الإرتدادات على الإقتصاد في حال قمنا بالإستدانة عبر "سيدر" مقابل إصلاحات "شكلية" و"آنية" ولا تدخل في العمق ؟

 

إعادة نفس الاخطاء السابقة ستزيد أزمتنا سوءا وستجعلها أكبر حجما مما هي عليه اليوم، فالمريض يجب ان يتم علاجه، وليس تخديره لفترة زمنية قصيرة.

 

والأمر المزعج بالنسبة لي، هو اننا نمتلك كافة القدرات البشرية والفكرية إضافة إلى قطاع خاص مميز وقادر على بناء إقتصاد منتج وناجح، فلبنان ليس دولة فقيرة بل دولة قادرة تحتاج فقط لإدارة سليمة ولنهج حقيقي، فالإصلاح ليس قرارا يتم إتخاذه "بشخطة قلم" بل هو نهج وهدف يجب إتباعه. ومن هنا تاتي أهمية الخطة الإقتصادية التي يجب ان تُقر وأن يتم وضع آلية واضحة لتنفيذها وتطبيقها جدياً، ومراقبتها عبر لجنة او جهة مستقلة تأخذ سلطتها من رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة لضمان الوصول إلى الهدف المرجو منها.