لا يزال العالم عالقًا في وحل من التشاؤم الاقتصادي، منذ الأزمة المالية في عام 2008، إذ يتباطأ النمو ويتزايد عدم اليقين والبطالة أو نقص العمالة مع أسعار فائدة اسمية قريبة من الصفر أو سالبة بحسب تقرير لـ"ساوث تشاينا مورنينغ بوست".

 

بجانب ذلك، ولعدة سنوات بعد الأزمة، كان الاقتصاد الصيني المتسارع محركًا قويًا للنمو العالمي، لكن مساهمته تلك تراجعت إلى حد كبير، وهو عامل سلبي آخر، يضاف إلى تزايد فجوة الدخل والفرص حول العالم وارتفاع الديون العامة والخاصة.

 

وغالبًا لا تحدث الأزمات المالية نتيجة الاضطرابات الاقتصادية فحسب، بل تعود أيضًا إلى مشاكل اجتماعية وسياسية خطيرة تكون لها عواقب طويلة الأجل، وحاليًا يشهد العالم تراجعًا للديمقراطية وتنامي الشعبوية والتعصب في أنحاء كثيرة.

 

سلاح ذو حدين

 

- صورة ​الاقتصاد العالمي​ أصبحت قاتمة، وجميع التدابير التي اتخذت حتى الآن فشلت في تحويله إلى الأحسن، وكانت الجولات المتكررة من التيسير الكمي أشبه بمحاولات دفع الخيط إلى الأمام، ومن غير المحتمل أن تؤدي نفس السياسات المتبعة إلى تغيير.

 

- ممارسات التيسير الكمي لم تفشل في تحقيق أهدافها فحسب، بل أدت إلى عواقب وخيمة أخرى، حيث ساهمت في زيادة تضخم الأصول وملكية الثروة، مما يمهد الطريق للأزمة الكبرى القادمة، نعم فجميع الأزمات المالية الكبرى الماضية نتجت عن تضخم الأصول.

 

- مع ذلك، ووفقًا للرئيس السابق لهيئة الخدمات المالية البريطانية "أدير تيرنر"، فإن العالم لم تنفد خياراته بعد، ويقترح في كتابه "بين الدَين والشيطان: المال والائتمان وإصلاح المالية العالمية"، أن تطبع البنوك المركزية كميات هائلة من الأموال.

 

- يهدف ذلك إلى مساعدة الاقتصاد على ​الإنفاق​ للخروج من الركود، ويمكن أن تأخذ هذه الاستراتيجية شكل  "هيليكوبتر الاموال"، إذ يتم توزيعها نقدًا على المواطنين، أو تسييل الديون، تمويل مباشر للعجز الحكومي.

 

- هذه الأداة هي سلاح ذو حدين، في حين أنها قد تحفز النمو الاقتصادي، تستدعي كذلك وجود انضباط صارم في توظيفها لتجنب التضخم المفرط كما حدث في ألمانيا وزيمبابوي قديمًا وفنزويلا حاليًا.

 

علاج لكن ليس للجميع

 

- الاقتصادات الصغيرة المفتوحة التي لا تتحكم في تدفقات رأس المال ستواجه صعوبات في تنفيذ أفكار "تيرنر"، إذ يمكن للمضاربات في سوق الصرف أن تؤدي إلى انخفاض قيمة العملة المحلية بشكل كبير، متسببة في ارتفاع التضخم وحتى أزمة عملة.

 

- من المحتمل أن يكون طباعة المزيد من الأموال أكثر فاعلية في الاقتصادات الكبيرة، أو تلك التي تتحكم في تدفقات رأس المال مثل الصين والهند، ولكن من وجهة نظر الاقتصادي "هيمان مينسكي" فإن الإنفاق الحكومي على خلق فرص العمل أفضل من "هليكوبتر الأموال".

 

- يرجع ذلك إلى كون العمل يخلق قيمة ويساهم في الناتج المحلي الإجمالي، لكن لا تضيف "هليكوبتر الأموال" أي قيمة، وفي بعض الحالات، محتمل أن تسبب التضخم، ومع ذلك فهذه نتائج غير مرجحة إذا كان الطلب منخفضًا والمبالغ المطبوعة ليست مبالغاً فيها.

 

- توصية "مينسكي" فعالة عندما تتوافر فرص العمل في قطاعات مثل بناء البنية الأساسية الجديدة أو صيانة البنية التحتية الحالية وزراعة الأشجار وتنظيف البيئة، وبمررو الوقت ستدعم هذه الأنشطة خزائن الدولة، علاوة على زيادة إنفاق المستهلكين الذين سيحصلون على وظائف جديدة.

 

- من الناحية النفسية، يمنح العمل الشخص شعورًا بالكرامة، مما يقلل المشاكل الاجتماعية، مثل إدمان الكحوليات وتعاطي المخدرات والانتحار، كما أن مكان العمل هو ملتقى لبناء الشبكات الاجتماعية واكتساب المهارات.

 

معضلة الإنتاجية

 

- المشكلة الهيكلية الرئيسية في العديد من الاقتصادات هي تباطؤ نمو الإنتاجية، فاقتصادات السوق لا تواجه عجزًا في جانب الطلب الكلي فحسب، لكن أيضًا عجز الإنتاجية في جانب العرض، فكما يقول الاقتصادي "روبرت جوردن": التطورات التكنولوجية لم تستطع مواكبة الإنجازات السابقة.

 

- في تقدير "جوردن"، لا يمكن لثورة تكنولوجيا المعلومات أن تضاهي أياً من الاختراعات الخمسة الكبرى التي دفعت النمو الاقتصادي خلال الفترة بين عام 1870 إلى 1970، وهي الكهرباء، والصرف الصحي الحضري، والمواد الكيميائية والأدوية، ومحركات الاحتراق الداخلي، والاتصالات الحديثة.

 

 أحد الطرق المؤكدة لتعزيز نمو الإنتاجية هو إنفاق المزيد على البحث والتطوير، فالأساس السليم للنمو هو الابتكار، وهناك الكثير من الأبحاث المفيدة التي يحقق تنفيذها قيمة مضافة، مثل تحويل البلاستيك إلى وقود، أو بكتيريا تحويل النفايات إلى مواد غير مضرة.​​​​​​​

 

- مع إضفاء الطابع الديمقراطي على التعليم العالي، استطاعت العديد من الدول إفراز الكثير من الخريجين، ويعمل قطاع كبير منهم في مجالات بعيدة عن اختصاصاتهم المباشرة (مثل مهندس يعمل في المبيعات)، لكن البحث والتطوير يوفر سبلاً لهم للمساهمة في المجتمع.

​​​​​​​​​​​​​​

 

- بالنسبة للسياسات المالية والنقدية، يجب أن تعمل الدولة كسد وخزان، ففي أوقات الجفاف كما هي الآن في أغلب الأسواق، يجدر بها ضخ الأموال، ومع توافر السيولة تتحول إلى ملء الخزان، أو بلغة الاقتصاد "امتصاص السيولة في الأوقات الجيدة".