أشار حاكم ​مصرف لبنان​ رياض سلامه، إلى أن "إنّ الشمول المالي موضوعٌ يهمّ لبنان، وعلى الأخصّ مصرف لبنان الذي يعتبر أن انخراط المجتمع بواسطة الخدمات المصرفية و​الخدمات المالية​ عموما، يساهم في تحسين مستوى ونوعية حياة المواطن اللبناني. وبهدف تحقيق الشمول المالي، قام مصرف لبنان بتطوير قواعد محددة."

 

وجاءت كلمة سلامه خلال افتتاحه أعمال "منتدى اليوم العربي للشمول المالي 2019" تحت عنوان "مناهج مبتكرة لتعزيز الشمول المالي"، في المعهد العالي للأعمال (ESA)، بمشاركة رئيس ​جمعية مصارف لبنان​ د. جوزف طربيه، وممثّلين عن ​المصارف​ والمؤسسات المالية ومؤسسات الإقراض الصغير وشركات التكنولوجيا المالية وممثلين عن المؤسسات الدولية والمجتمع المدني المعنيين.

 

وأوضح سلامة ان "القاعدة الأساسية هي التأكد من وجود قطاع مصرفي متين وسليم وملتزم بالقواعد المصرفية الدولية. والواقع أن قطاعنا المصرفي لديه رسملة مرتفعة، ونسبة ملاءة تساوي 16% طبقا لمقررات بازل 3، وأنه نجح في تطبيق المعايير المحاسبية الجديدة مثل الـ IFRS 9، فضلا عن وجود إدارة مصرفية رشيدة ولجان مختصة بإدارة المخاطر. كما أن سياسة مصرف لبنان التي تقضي بعدم إفلاس المصارف بل بدفعها إلى الدمج في حال واجهت صعوبات، ساهمت في توسيع قاعدة الودائع في لبنان التي باتت تمثل 4 أضعاف إجمالي الناتج المحلي".

 

وقال: "إنّ توفّر الأموال في لبنان، البلد المدولر، خاصةً بالعملة الأجنبية، من الأمور التي ساهمت في تأمين خدمات مصرفية للمجتمع اللبناني وساعدت أيضا الاقتصاد اللبناني. هناك مفارقة لدى التحدث عن القطاع المالي أو ​الإقتصاد اللبناني​، بسبب عدم تعامل لبنان بعملته الوطنية، بل بالدولار. نحن واقعيون وقد قبلنا بهذا الواقع، فنسبة دولرة الودائع قاربت الـ 72%، وهذا القبول ناتج عن رغبتنا في إعطاء الأولوية للنمو الاقتصادي ولتوسع الخدمات المالية في لبنان. وقد حققنا ذلك. ثمّة صعوبة أخرى تقضي بالمحافظة الدائمة على الثقة لأن الدولارات الموجودة في لبنان لا تتأتى من الصادرات ولا من مواد أولية، بل هي مبنيّة على حرية التعامل وعلى التحاويل والعمليات المالية التي تتمّ ما بين ​القطاع المصرفي​ والبنك المركزي".

 

وأوضح أنه "من جهة أخرى، ساعد استقرار سعر صرف الليرة إلى حدّ كبير في استعمال العملة اللبنانية في الخدمات المالية. وكما قال الدكتور طربيه، إن ال​قروض​ المدعومة هي العنصر الأهم في تطوير الشمول المالي، فهي التي سمحت بزيادة عدد عملاء القطاع المصرفي إلى أكثر من مليون عميل، وأتاحت لـ 59% من اللبنانيين (بحسب التقرير) الذين يحقّ لهم فتح حساب مصرفي، فرصة التعامل مع القطاع المصرفي".ولفت الى ان القروض السكنية باتت تصل الى 14 مليار دولار بالليرة اللبنانية.

 

"العنصر الثاني، هو قيام البنك المركزي بتوفير قروض مدعومة للقطاعات الإنتاجية، لا يقلّ مجموعها اليوم عن 6 مليار دولار. وهذا الإجراء غير التقليدي سمح بالتأسيس لتعاطٍ أكبر مع القطاعات الإنتاجية في لبنان. القروض الاستهلاكية التي انطلقت منذ عدة سنوات، ساعدت أيضا اللبنانيين في حياتهم اليومية وشكلت مدخلا للتعاطي ما بين المواطنين والقطاع المصرفي. هذه القروض الاستهلاكية، باستثناء القروض السكنية، تشكل 15% من محفظة القروض الإئتمانية في القطاع المصرفي. نحن نتطّلع إلى الأمام، وقد أقرّ مصرف لبنان رزمة جديدة من ​القروض المدعومة​. في ما يتعلق بالقروض السكنية، تبلغ الرزمة ما يوازي 220 مليون دولار، يضاف إليها قرض منحه الصندوق الكويتي، والذي سيشكل مع قرض من بنك الإسكان 167 مليون دولار ، قرض بالدينار الكويتي قدّمه الصندوق العربي للإنماء الاقتصادي والإجتماعي لمصرف الإسكان وقيمته 165 مليون دولار. نحن نعتبر أن هذا المبلغ كافٍ لتمويل الحاجات السكنية في لبنان".

 

وأوضح أنه "لم تلتزم أو لم تشأ جميع المصارف تطبيق تعميم مصرف لبنان المتعلق بالقروض السكنية. لكن هذا لا يعني عدم وجود ​قروض سكنية​ مدعومة لهذا العام. على المواطن أن يبحث عن المصارف التي إلتزمت بتعميم مصرف لبنان وشاركت في هذا البرنامج وشروطه، أي المصارف القادرة على تأمين هذه القروض السكنية"، مضيفاً: "من ناحية أخرى، خصصنا مؤخرا قروضا مدعومة للقطاعات الإنتاجية بقيمة 500 مليون دولار، تتراوح فوائدها بين 5.5% و7% بحسب كل مشروع، وهي تساعد لبنان في وقتٍ يشهد فيه معدلات فائدة مرتفعة نظرا لكل التوترات والأزمات التي مرّ بها، لا سيما الفراغ الحكومي لحوالي 9 أشهر".

 

وأكد أن "مصرف لبنان سيساعد في تطوير التقنيات المصرفية، وهو في صدد إصدار تعميم حول تنظيم العمل بواسطة أدوات تقنية مختلفة. نحن نسعى إلى وضع جميع هذه العمليات تحت مظلة المصارف، أي أن يتمّ التعرّف على كلّ عميل يستعمل هذه التقنيات المختلفة. وسنشمل في تلك التقنيات استخدام العملة الرقمية التي سيصدرها البنك المركزي، مع الإشارة إلى أن كل ما يستتبع إصدار هذه العملة يُترك للقطاع المصرفي والمؤسسات التي قد تنشأ من أجل تقديم التسهيلات المالية بطرق تقنية حديثة، بالاتفاق مع المصارف أو بتقديم خدمات لها. إن مقاصة العمليات التي ترتكز على العملة الرقمية ستكون مقاصةً منظّمة ضمن القطاع المصرفي. سيقتصر دور مصرف لبنان على الترخيص للمؤسسات التي تقدم خدمات مالية بوسائل إلكترونية، بحسب الشروط المنصوص عليها في تعاميم مصرف لبنان. هنا أيضا، سيقوم المركزي فقط بإصدار العملة الرقمية ويدع كل ما يستتبع ذلك للقطاع المالي، بالأخص القطاع المصرفي. والشمول المالي يقضي أيضا بإشراك المواطن اللبناني المقيم وغير المقيم بتمويل الإقتصاد اللبناني. فهذا من جهة يدعم الاقتصاد، وقد يكون أيضا مدخلا لتكوين مدخرات بطريقة مختلفة".

 

وبخصوص هيئة الأسواق المالية، فاشار إلى أنها "تقوم بالخطوات النهائية لإطلاق منصة تداول إلكترونية تُدرج عليها الأسهم، لا سيما أسهم الشركات الناشئة. مصرف لبنان حريصٌ على تطبيق التعميم رقم 331 الذي يشجع اقتصاد المعرفة الرقمية، وقريبا سيكون هناك لجنة استشارية من خارج مصرف لبنان تُعنى بتطوير هذا القطاع الذي يعتبر حيويا واستراتيجيا للبنان اليوم ومستقبلا. كما ستتضمن هذه المنصة الإلكترونية أوراقا تجارية وأسهم شركات ليست بالضرورة شركات ناشئة، ما يشجعّ الإستثمارات في شركات قائمة وناجحة تريد أن تتوسع ليس فقط من خلال الإستدانة بل من خلال الرسملة أيضا، لأن الدين وكلفة الدين أصبحا يشكلان ثقلا على القطاع الخاص. وقد بلغت حتى الآن قيمة القروض المصرفية للقطاع الخاص 61 مليار دولار، وهو مبلغ يتعدى الناتج المحلي اللبناني. فنحن بجاحة إلى رسملة هذا القطاع الخاص".

 

وتابع: "إن تطبيق مقررات مؤتمر CEDRE قد يولّد مشاريع جديدة يشارك فيها القطاع الخاص، لا سيما في حال وجود سوق ثانوية تسهّل الحصول على التمويل اللازم أو إدراج الأسهم أو السندات. انطلاقا من هنا، تقوم هذه التركيبة على القطاع المصرفي والمؤسسات التي تقدم خدمات مالية بوسائل تقنية والعملة الرقمية ومنصة التداول، ما قد يمنح لبنان نافذة جديدة لإدخال السيولة الضرورية للنمو الاقتصادي".

 

سلامه قائلاً: "مصرف لبنان حريص على وجود انضباط في العمل، إن لجهة الكنتوارات أو مؤسسات الإقراض الصغير، وقد أصدر تعميما في هذا الصدد إذ إن هذه القروض الصغيرة ضرورية وتخدم شريحة لا بأس بها من المجتمع اللبناني".

 

وبدوره د. طربيه، لفت الى ان" تحديد يوم عربي للشمول المال هو نقلة نوعية في التفكير والممارسة جاءت نتيجة حرص الجهة التي اتخذت هكذا قرار، مشيرا الى ان التقدم التكنولوجي اتاح امام المؤسسات تأمين افضل الخدمات". 

 

وأضاف طربيه:"يمكن اعتبار ​القطاع المصرفي اللبناني​ رائدا على المستوى العربي في الشمول المالي عبر انتشاره في جميع المحافظات وفي شتى انحاء البلاد، بالاضافة الى انه يقدم تشكيلة واسعة من المنتجات المصرفية". 

 

وتابع: "ارقام ​البنك الدولي​ تشير الى انه في لبنان هناك 24 فرعا مصرفيا لكل الف فرد"، مشيرا ايضا الى "الفروع الالكترونية و​التطبيقات​ المتطور التي سعى القطاع في تطويرها ونجحنا في ايصال المنتجات والخدمات المالية الى عدد كبير من الأفراد والمؤسسات"، لافتا الى "اهمية المزيد من التثقيف المالي عبر الإعلام ووسائل الواصل الإجتماعي كما في الجامعات والمدارس بالإضافة للمؤتمرات، حيث ان الشمول المالي يعزز الأمان الإجتماعي". 

 

وأكد طربيه ان" الوضع الإقتصادي قابل للمعالجة والمطلوب ارادة اصلاحية صلبة ليستعيد المواطن ثقته بدولته ولتستعيد الدولي ثقة المجتمعين العربي والدولي"، لافتا الى "ضرورة وقف الهدر و​الفساد​ وتعزيز الشراكة بين القطاعين العام والخاص

بالإضافة الى ​الإنفاق​ الإستثماري". 

 

ويهدف هذا اليوم العربي المُخصّص لتعزيز مفهوم الشمول المالي الى المساهمة في زيادة الوعي في مجال الخدمات المالية والإدخار وفرص التمويل التي أصبحت تشكّل ركيزة رئيسية في دعم النمو الإقتصادي الشامل والمستدام وتعزيز الاستقرار المالي والرفاه الاجتماعي والاقتصادي.

 

كما يرمي هذا المنتدى إلى تحقيق التواصل ما بين الأطراف المعنية كافة من أجل مشاركة تجاربهم في ابتكار أو اختيار مناهج فعّالة ومسؤولة هادفة الى تطوير الأنظمة والبنى التحتية وتأمين أفضل الخدمات المالية وغير المالية (بما فيها التوعية والتثقيف المالي) لمختلف فئات المجتمع، وبالأخص ذوي الدخل المحدود وسكان الريف و​النساء​ و​الشباب​ وذوي الاحتياجات الخاصة والمؤسسات المتناهية الصغر والصغيرة والمتوسطة.