أعلنت شركة النفط "أرامكو ​السعودية​" عن تحديد سعر الطرح الأولي لسنداتها بقيمة 12 مليار دولار أميركي، وهي المرة الأولي التي تلجأ فيها أكبر منتج للنفط في العالم، إلى أسواق الدين الدولية.

 

 

ويتضمن الطرح 5 دفعات ذات أولوية وغير مضمونة، الدفعة الأولى مليار دولار من السندات ذات الأولوية بعائد 2.75% مستحقة في عام 2022، والدفعة الثانية ملياري دولار من السندات ذات الأولوية بعائد 2.875% مستحقة في عام 2024، والدفعة الثالثة 3 مليارات دولار من السندات ذات الأولوية بعائد 3.5% مستحقة في 2029، والدفعة الرابعة 3 مليارات دولار من السندات ذات الأولوية بعائد 4.25% مستحقة في 2039، والدفعة الخامسة 3 مليارات دولار من السندات ذات الأولوية بعائد 4.375% مستحقة في عام 2049.

 

 

ووفقاً لما كشفته مصادر مطلعة على الصفقة، فإن الطلب على السندات التي تمّ طرحها قد تجاوز الـ 100 مليار دولار، ستستخدمها "أرامكو" للأغراض العامة. كما من المتوقع استثمار بعض هذه الأموال لتمويل صفقة شراء 70% من الشركة السعودية للصناعات الأساسية "​سابك​"، المملوكة للدولة، وهي الصفقة التي رأى وزير ​الطاقة​ خالد الفالح أنها صفقة تاريخية وضخمة على المستوى العالمي "لا يكسب فيها أطرافها الثلاثة فحسب، وهم صندوق ​الاستثمارات​ العامة، و​أرامكو السعودية​، وسابك، وإنما الاقتصاد الوطني"، مشيراً إلى أن "الصفقة ستحدث تحولا شاملا، سيؤدي إلى إيجاد ​شركة طاقة​ وبتروكيميائيات وطنية عملاقة متكاملة تقود ​قطاع الطاقة​ العالمي، وتعزز بدرجة أكبر إمكانات النمو في أرامكو وسابك على المدى البعيد".

 

 

وهنا سؤال يطرح نفسه، ما هو السبب وراء هذا النجاح الكبير لشركة تلجأ وللمرة الأولى لأسواق الدين؟ يقول المستشار الإقتصادي السعودي، أحمد الشهري: "اقتصاديات ​النفط الخام​ والبتروكيماويات والطاقة ترتبط ارتباطاً وثيقاً بمعدل النمو في ​الدول المستوردة​ وبالتالي هناك علاقة بين ​أسعار النفط​ ومعدل الطلب العالمي وهي علاقة طردية في الظروف القياسية اقتصادياً - وبالرغم من هذه القواعد نجحت دول "​أوبك​" في تحقيق معدلات سعرية مناسبة تتوافق مع معدل ​النمو الاقتصادي​ العالمي المتواضع.

 

 

أ‌- المشاريع الرأسمالية الكبرى أو الاستثمارية الكبرى تحتاج إلى ظروف اقتصادية مؤاتية مثل ​التضخم​ والتكاليف على جميع المستويات وبشكل خاص في الشق اللوجستي أو حتى الظروف الاقتصادية في الدول المستهدفة بالاستثمار، وكما هو سائد أنه في فترات النمو الاقتصادي المستقر - غالبا لا تنجح الصفقات الاستراتيجية ؛ لأن الجميع متفائل والتفاوض لا يحقق مكاسب كبيرة في الاستثمارات الاستراتيجية ونجحت "أرامكو" في تحقيق صفقات كبرى استثماريا.

 

 

ب‌- نتوقع أن تستخدم "أرامكو" السندات في زيادة معدلات نمو أعمال الشركة بشكل رأسي بالاستثمار في النفط الخام أو بشكل أفقي كالاستثمار في مشاريع البتروكيماويات و​الصناعات التحويلية​ وسلسلة النفط ككل، من المنبع إلى المصب في عدد من الدول التي تحرص على تماسك النمو الاقتصادي حاليا أو للسنوات العشر القادمة عن طريق شركاتها التابعة.

 

ت‌- خلال فترات التباطؤ الاقتصادي وفي حالات عدم اليقين يتمسك المستثمرون بخيارات مضمونة أو أكثر تحوط كشراء السندات وهذا ما يفسر قوة الطلب على سندات أرامكو بالإضافة إلى متانة ​الاقتصاد السعودي​ وقوة التنصيف الائتماني للشركة وللاقتصاد السعودي وثقة المستثمرين في الاقتصاد السعودي للعقدين القادمين كنظرة مستقبلية.

 

ث‌- ​الاقتصاد العالمي​ يعاني من تباطؤ اقتصادي ويرى الكثير من المسؤولين الحكوميين وغير الحكوميين أن الابتكار يعتبر ضمن أهم محركات النمو الاقتصادي في مثل هذه الظروف الصعبة التي يعيشها العالم، وأرامكو لديها استراتيجية متكاملة والابتكار ضمن محاورها في دعم نموها من خلال الانتفاع المباشر بالإبتكار أو حق المنفعة في السوق العالمي".

 

جاء الطرح الأولي لسندات "أرامكو" في الوقت الذي انتشرت فيه تقارير عن نية السعودية بيع الخام بعملات غير ​الدولار​ إذا أقرّ ​الكونغرس​ قانون "نوبك"، الذي يهدد الدول الأعضاء بمنظمة "أوبك" بتعرضهم لدعاوى قضائية في ​الولايات المتحدة​، تتهمهم باحتكار النفط، الأمر الذي دفع بوزارة النفط السعودي لنفي"هذه المعلومات "التي تفتقر إلى الدقة ولا تعكس موقف المملكة حول هذا الموضوع، لاسيما أنها تبيع نفطها بالدولار على مدى عقود، وهو ما يفي بمستهدفات سياساتها المالية والنقدية على نحو جيد"...ولكن هل من الممكن أن يحصل هكذا "سيناريو" وفي أي حالة؟ يوضح الشهري لـ"الإقتصاد" أن بلاده " تمتلك علاقة استراتيجية مع الولايات المتحدة – لاسيما أن حجم السندات الاميركية التي تمتلكها السعودية تجعلها الرابعة عالمياً، كما أن السعودية لا يوجد لديها عجز في حجم الاحتياطي من الدولار بل لديها احتياطي كبير أيضا... كما أن علاقة ​أميركا​ بالسعودية مهمة على مستوى المنطقة و مستوى الاقتصاد العالمي وكلا البلدين عضو في ​مجموعة العشرين​ الدولية"، مؤكداً أن "الإنتقال إلى عملة تداول أخرى بخلاف الدولار في بيع النفط مازال أمراً بعيداً من الناحية العملية بالرغم من قيام بعض الدول بهذه الخطوة كما حصل بين ​الصين​ و روسيا أو ​باكستان​ وغيرها –الأمر الحاسم مثل هذه الإتجاهات يعتمد على مدى قدرة الدولة المستوردة كالصين على بقاء حجم الإستيراد و​معدلات النمو​ كبيرة لاقتصادها، بالإضافة إلى أن الصين تعتمد على الدولار كاحتياطي".

 

 

وتحدّث الشهري عن الإقتصاد السعودي "المرتبط ارتباطاً قوياً بمعدل متوسط ​النمو العالمي​ والذي يقدره ​صندوق النقد الدولي​ بـ3.3% لعام 2019، ولكن السياسة الاقتصادية السعودية تحاول كسر هذا المعدل من خلال الارتباط بالدول التي لديها طلب على الطاقة مثل الصين و​الهند​، وهذا سوق يساهم بشكل قوي في زيادة معدل النمو ومعدل العائد على الاستثمارات السعودية في تلك الدول"، لافتاً أيضاً إلى أهمية وجود رؤية اقتصادية، المتمثلة بـ"رؤية المملكة 2030" والتي كانت أبرز نتائجها بحسب قوله "تحسن اداء الأجهزة الحكومية لينافس الكثير من الاقتصاديات المتقدمة على مستوى كفاءة تقديم الخدمات، كواقع ملموس". وأضاف: "أما على المستوى الاقتصادي فإن معدلات نمو الصادرات غير النفطية قد شهدت تحسن معدل عشري لا يقل عن خانين وهذا مؤشر على سلامة مسار الرؤية من الناحية الاقتصادية، بالإضافة أن المملكة جعلت الواقع الاجتماعي أكثر تفاعلاً وانفتاحاً على الكثير من المسائل كقيادة ​المرأة​ و​عمل المرأة​ وتحسن الكثير من المؤشرات الاجتماعية. على كل حال، اداء برامج الرؤية التنفيذية كلها مبشرة بواقع اقتصادي واجتماعي واعد".

 

 

أما عالمياً، يرى الشهري أن "واقع ​النمو الاقتصادي العالمي​ مازال يواجه صعوبة في تحقيق معدلات نمو أفضل، وتوصيات صندوق النقد الدولي مازالت تحث على بعض السياسات لزيادة تماسك النمو، ويظل الاقتصاد الاسيوي يحمل معدلات نمو تفوق 6% على الاقل. وبخصوص المتوسط العالمي فسيظل في حدود 3.5% على الأقل لعامين قادمين، وذلك بسبب مشاكل ​أوروبا​ المالية والسياسية. أما ​الإقتصاد الأميركي​، فسيكون أقل من متوسط النمو العالمي، أي في حدود 2.5 – 4%".

 

وفي النهاية، لا شك أن النتيجة التي أظهرها طرح "أرامكو" تعتبر إجماعاً على الثقة بعملاق ​النفط العربي​، التي بلغت أرباحها خلال العام الماضي ضعف أرباح شركة الإلكترونيات الأميركية "​آبل​"، كما تجاوزت أرباحها ثاني وثالث أكبر شركتين في العالم مجتمعتين وهما "آبل" و"​البنك التجاري​ الصناعي الصيني"، وهي مثال يحتذى به لما يجب أن تكون عليه المؤسسات الوطنية الناجحة.