يُقال: "هناك شخص واحد لم يذق طعم الفشل في حياته... إنّه الإنسان الذي يعيش بلا هدف". ومن فإن الرئيسة التنفيذية للتكنولوجيا، في مجموعة "ماليا هولدينغ"، جنيفر صراف يونان، تعترف وبكل شجاعة، أنها صادفت الكثير من التجارب الفاشلة، وقامت بالعديد من القرارت الخاطئة، لكنها لم تشعر أبدا بالندم عليها، بل على العكس، تعلمت منها، وحولتها إلى مصدر للنجاح والتميز.

 

ضيفتنا اليوم هي شخصية قيادية بامتياز، ومثال ناجح في مجال ريادة الاعمال، فقد رأت الفشل دافعا رئيسيا للتطوير والتغيير وتحقيق النجاح. كما لم تكتفِ بمسؤولياتها كسيدة أعمال وأم، بل صنعت لنفسها دورا آخر تراه لا يقل أهمية، ألا وهو الدور الاجتماعي.

 

هي سيدة من سيدات هذا الوطن، اللاتي لا يواصلن يوميا صنع النجاحات وتسجيل العلامات الفارقة في التخصصات والمجالات كافة. كما أنها واحدة من أولئك السيدات العصاميات اللاتي استطعن بقدراتهن على تحويل الأفكار والأحلام إلى واقع معاش.

 

بدأت يونان مسيرتها المهنية في بوسطن قبل انضمامها إلى مجموعة "ماليا" كمديرة قسم ​تكنولوجيا المعلومات​. كما قامت بتأسيس شركة "مالياتك" الموجودة اليوم في خمسة أسواق. وبموازاةً ذلك، أشرفت على تصميم وتنفيذ ​البنية التحتية​ لقسم تكنولوجيا المعلومات في المجموعة، واعتماد نظام تخطيط موارد المؤسسات عبر مختلف الشركات التابعة لها. وهي عضو في مجلس إدارة جمعية "Teach A Child"، ومركز سرطان الأطفال، وشركة "CIO" في ​لبنان​.

 

فلنتعرف أكثر الى تجربة جنيفر صراف يونان في هذه المقابلة الحصرية مع "الاقتصاد":

 

أين كانت البداية ومتى؟

 

حصلت على إجازة في إدارة الأعمال مع التخصص في نظام المعلومات الإدارية والشؤون المالية (management information system and finance) في "جامعة بوسطن". وبعد ذلك، عملت كمهندسة تخزين بيانات في ​الولايات المتحدة​ لمدة ثلاث سنوات.

 

في بداية عام 2003، عدت الى لبنان وانضممت الى مجموعة "Malia Group"، كمديرة قسم تكنولوجيا المعلومات، حيث قمت بالتخطيط لموارد المجموعة (ERP)، وبإعادة هندسة بنيتها التحتية.

 

ثم في نهاية 2004، أسست الشركة الناشئة "MaliaTec"، التي تقدم برامج الكمبيوتر للهواتف المحمولة، من أجل توفير خدمة ​التشغيل الآلي​ (automation) للشركات؛ وكنت حينها أبلغ من العمر 26 عاما.

 

وفي تلك الفترة، لم تكن ​الهواتف الذكية​ متوفرة لجميع الأشخاص، بل كانت محصورة بالشركات، وتعد بمثابة كمبيوتر قابل للنقل.

واليوم وبعد أكثر من 15 عاما، أصبحت الشركة موجودة في خمسة بلدان هي لبنان، ​الجزائر​، ​الكويت​، ​العراق​، بالاضافة الى دبي في ​الإمارات​.

 

وما زلت حتى الآن رئيسة شركة "MaliaTec"، لكنني عدت مجددا الى مجموعة "Malia Group" منذ بضع سنوات، حيث استملت منصب المدير التنفيذي لقسم التكنولوجيا، وذلك بهدف مساعدة الشركات الـ26 الموجودة في المجموعة، في كل ما له علاقة بالتحول الرقمي.

 

برأيك، ما هي العوامل والصفات الشخصية التي ساعدتك على التقدم في مسيرتك المهنية؟

 

أولا، العامل الأساس يتمثل في الدعم المتواصل الذي أحصل عليه من والدي ​جاك صراف​، بالاضافة طبعا الى حبه للتكنولوجيا. فلولا وجود هذا التشجيع الدائم، لما عدت الى لبنان بالدرجة الأولى، اذ أنه حثني على المغامرة والانطلاق في مضمار العمل. ففي عالم تقنية المعلومات (IT)، المخاطرة موجودة حتما، كما أن فرص النجاح متساوية مع فرص الفشل.

 

ثانيا، لقد تقدمت بسبب حبي وشغفي للتكنولوجيا.

 

كيف تقيمين وضع لبنان اليوم من الناحية التكنولوجيا؟ هل تلاحظين أي تقدم بالمقارنة مع السنوات الماضية؟

 

السوق المحلي صغير وغير كاف، لكن الشركات اللبنانية تمتلك قدرات واسعة؛ فمن خلال تجاربي مع مختلف البلدان إقليميا وعالميا، اكتشفت أن المهارات اللبنانية مميزة، وتعد من بين الأفضل. فرائد الأعمال اللبناني يلتقط المعلومات بسرعة وينفذ بخبرة؛ ما يعدّ بمثابة قيمة مضافة كبيرة.

 

ولكن الشركات التي تنطلق من لبنان ولا تطمح للتوسع الى الخارج، قد لا تتمكن من الصمود، بسبب صغر سوقنا المحلي. ومن هنا، ستكون مضطرة للانفتاح نحو مناطق وأسواق أخرى.

 

ولا بد من الاشارة الى أن لا شيء يمنعنا من التوسع خارج الحدود اللبنانية، وتخطي الدول العربية بأكملها، والتوجه نحو ​أوروبا​ والولايات المتحدة.

​​​​​​​

كيف تمكنت بدورك من تحقيق خطوة التوسع الى خارج لبنان؟

عندما يسعى الانسان الى تحقيق هدف معين، عليه أن يرمي بنفسه عليه، وأنا "كبّيت حالي". فقد سافرت مع فريق العمل من بلد الى آخر للتعرف والمحاولة والمخاطرة واكتساب الخبرات، وبسبب "شطارتنا" توسعنا.

وتجدر الاشارة الى أننا نجحنا في أماكن معينة لكننا فشلنا أيضا في أماكن أخرى، لكن هذه التجارب أغنت مهاراتنا، وأعطتنا دروسا مهمة.

ومن جهة أخرى، نحن نركز على كفاءة الشخص وسماته الشخصية (soft skills) أكثر من مهاراته التقنية (technical skills). فالسمات تتيح له التفاعل بفعالية وانسجام مع الآخرين، وبالتالي فإن غيابها يؤخر التقدم.

 

هل كان لعمرك الصغير تأثير على تقدمك المهني في مرحلة من حياتك؟ وهل تعانين من أي تمييز في إطار العمل لمجرد كونك امرأة؟

 

عمري الصغير لم يؤثر أبدا على مسيرتي، وذلك لأنني لطالما سعيت الى إظهار معرفتي ومهاراتي و"شطارتي".

أما بالنسبة الى وجودي كامرأة، فقد وجدت أن هذا الواقع ساعدني الى حد كبير في مجال عملي، لأن المرأة بشكل عام تركز على أدق التفاصيل، وتقدم النصائح بدلا من التواصل بشكل تجاري بحت.

 

فنحن نقدم الحلول للشركات عندما نبيعها البرمجيات، وبالتالي نقول لشركة معينة أنها بحاجة الى تغيير طريقة عملها بالكامل، والقيام بتحول واسع لكي تتطور وتتقدم. وهذا الواقع ليس بالسهل أبدا، ولا يتعلق بالاستثمار المالي فحسب، بل إن الصعوبة الأكبر تكمن في التبديل الداخلي، وفي تقديم التعديلات على ​الموارد البشرية​.

 

وأعتقد أن المرأة تلمع أكثر من الرجل في هذا المجال بالتحديد!

 

الحياة المهنية مليئة بالصعوبات والعوائق، وبالأحداث غير المتوقعة. كيف عالجت ذلك؟

 

في بداية المسيرة، كانت اهتماماتي متمحورة بأكملها حول العمل، وكان وقتي مكرسا بالكامل لهذا الجانب من حياتي، لمدة 7 أيام في الأسبوع و24 ساعة في اليوم؛ وبالتالي تخليت عن كل الأمور الباقية.

 

وخلال فترة معينة، ركزت على حياتي الخاصة، اذ تزوجت وأنجبت الأولاد، ما أثر على وقتي وأدى الى إبطاء رحلتي العملية.

 

لكنني عدت بعد فترة الى العمل لساعات طويلة، من أجل تحقيق التوازن المطلوب بين العمل والحياة الخاصة. ولحسن حظي، لطالما وجدت الى جانبي فريق عمل محترف وداعم، يساندني ويساعدني على حل مختلف العوائق.

 

فبين عملي وحياتي العائلية ونشاطاتي الاجتماعية، أشعر بالقليل من التقصير في كل جانب.

 

هل تعتبرين اليوم أنك حققت كامل طموحاتك المهنية؟

الطموحات لا تتوقف أبدا، وبالتالي لا أعتقد أنني سأصل الى مرحلة من حياتي أقول فيها أنني حققت كامل أهدافي.

فأنا سعيدة لأنني أسست شركة تحتوي على 80 موظفا، وتعيل عائلات عدة، وتضم شباب مخترجين جدد، كما أشعر بفرح كبير عندما أرى الشركات تستعين ببرامجنا.

​​​​​​​

وبالاضافة الى ذلك، عدت منذ سنوات، الى مجموعة "ماليا" لأنني شعرت بقدرتي على لعب دور أساس في التأثير التطوير والتوسيع.

لكنني أطمح في المستقبل الى تخصيص المزيد من الوقت للجمعيات، ومشاركة خبراتي مع طلاب الجامعات. فنحن بحاجة الى أن يتعلم الناس "من كيس غيرهم" بدلا من "التعلم من كيسهم"، من أجل توفير الوقت والجهد؛ فكلما أعطينا أكثر، كلما تمكنا من التقدم بشكل أكبر.

 

ما هي نصيحة جنيفر صراف يونان الى المرأة اللبنانية؟

 

المرأة قادرة على لعب دور أهم من الرجل بكثير، لأنها تمتلك مهارات متعددة، وقدرات قد يفتقد اليها الرجال في الكثير من الأحيان؛ فهي مؤهلة لتحقيق الكثير، اذا واظبت على ذلك!

 

والبعض يقول لها أنها لا تستطيع تأسيس عائلة وتحقيق النجاح المهني في آن واحد، في حين أنها ستنجح حتما في الجانبين معا؛ ولدينا أمثلة كثيرة على ذلك في لبنان.

 

فالتعب والمخاطرة والإصرار عوامل لا بد أن تصادف المرأة الناجحة في مسيرتها، ولكن عليها تخطي كل المصاعب من أجل الوصول الى الأهداف المرجوة.

 

ومن هنا، أقول لها: "انطلقي وما تعتلي هم!".