كلما تفعّل التكنولوجيا ثورتها وتوسّع اجتياجها للقطاعات ، تخبّط سوق العمل مع اختفاء وظائف وظهور أخرى في بعض المجالات المحدودة باسلوب التحدي الذي يقهر الانسان.

فالانسان، بعقله الخلاّق واللامحدود في المكان والزمان، يقتل بمعرفته مورد رزقه ويقضي على وظائف اولاده، حتى ولونجح في بعض المرات بخلق وظائف جديدة وذات نوعية.

 

فهذا الانسان الذي يعلن انطلاقة الحروب ويحسن شنّها وتوقيفها ، دون ان يعلم يشن اليوم الحرب على سوق العمل الذي ضاقت فرصه في معظم البلدان ليسيّطر الجهاز او ​الروبوت​ الذي كلّل به اختراعاته اللامتناهية .

 

طُرِحت مؤخرًا عدّة أفكار تقول بأنّ حوالي مليارين من الوظائف اي 50% من العدد الكلي ستنقرض بحلول عام 2030! والتغيير الذي سيترافق مع هذا التبدّل الجذري سيحمل الكثير من الأسئلة التي تبحث عن الاجوبة.

 

في هذا السياق ، يقول ​رئيس البنك الدولي​ السابق الدكتور جيم يونغ كيم: "في وقت يشهد العالم نموًا اقتصاديًا قويًا، قد يبدو من المفارقة أننا نواجه أزمة وجودية حول مستقبل العمل. لكن وتيرة الابتكار تتسارع، وستحتاج وظائف في المستقبل ، في غضون بضعة أشهر أو بضع سنوات إلى مهارات محددة ومعقدة. وسوف يصبح رأس المال البشري موردًا أكثر قيمة من أي وقت مضى."وهو يرى ان يجب التطلع الى مستقبل العمل بالمنظار التالي :

أولاً، في حين أن خطر ​البطالة​ الوشيكة الواسعة الانتشار والناجمة عن التكنولوجيا هو وهم، يجري إلغاء وظائف حالياً وسيجري إلغاؤها لصالح الأتمتة. لكن التكنولوجيا تخلق أيضًا فرصًا جديدة وهي تعمل باستمرار على تحسين مستويات المعيشة على مستوى العالم. فالعالم مرتبط الآن بشكل أفضل، والتطلعات آخذة في الارتفاع، والأصوات المتباينة ستُسمع على الأرجح.

ثانياً، تتغير المهارات اللازمة للعمل، حرفياً، كل يوم. إذ تتطلب الوظائف الجديدة مهارات محددة - مجموعة من المعارف التقنية، وحل المشكلات، ومهارات التفكير النقدي، بالإضافة إلى المهارات الشخصية مثل المثابرة والتعاون والتعاطف. وهذا يعني أنه يجب أن تزيد مختلف البلدان استثماراتها ، وبمزيد من الفعالية ، في شعوبها لبناء رأس المال البشري.

إن الاستثمار في رأس المال البشري هو الآلية الرئيسية لضمان جاهزية الجيل التالي لطبيعة العمل المتغيرة؛ ومع ذلك، فإن العديد من البلدان لا يستثمر في هذه المجالات الحرجة ".

 

تتركز أغلب المناقشات التي تدور حول مستقبل العمل على كمية الوظائف التي ستنزعها الروبوتات من الإنسان. والبعض يرى إن التكنولوجيا تعيد تشكيل عالم العمل، ليس فقط بآلية الإنتاج، بل أيضا بتيسير الاتصال والابتكار. وتحدث التغييرات التي تحدثها التكنولوجيا الرقمية على تكلفة رأس المال مقابل العمالة، وكلفة المعاملات، ووفورات الإنتاج الكبير، وسرعة الابتكار، آثارا كبيرة في ثلاث نواحي: الكم، والكيف، وتوزيع الوظائف.

 

قد تكون أكثر الآثار التي يدور حولها الحديث حاليا، لاسيما في البلدان المتقدمة، هي إحلال العمالة البشرية، أي استبدال العمالة البشرية في بعض أو أغلب المهام بالتكنولوجيا، في الوقت الذي ستنخفض فيه نسبة رأس المال إلى العمالة. وتشير التكهنات إلى أن الماكينة ستحل محل العديد من الوظائف والمهن، وسيكون نزيف الوظائف هائلا. وتنذر أكثر التوقعات دقة بأن بعض المهن قد تتم ميكنتها بالكامل، إلا أن أغلبها قد تتم ميكنته جزئيا (أي جانب منها) أو يستبدل (9% من الوظائف و 25% من المهام)، طبقا لتحليل نشرته مؤخرا منظمة التعاون والتنمية في الميدان الاقتصادي).

 

تأثير ايجابي ام ...؟

 

و التكنولوجيا يمكن أن يكون لها تأثير إيجابي أيضا على خلق الوظائف. وخلصت دراسة لشركة "ديلويت "استندت الى بيانات في ​بريطانيا​ تمتد 150 عاما إلى أن التكنولوجيا كانت "ماكينة عظيمة لخلق الوظائف." وتساعد في دخول الأسواق والحصول على الموارد، بفضل تقدم الاتصال، الشركات تكون قادرة على النمو وتوفير الوظائف، أو جذب العمل إلى أسواق جديدة أكثر قدرة على المنافسة.

واستناداً الى دراسة لمعهد Sapiens ، " فإن الثورة الرقمية التي تؤثر على المجتمع تهدد وجود خمس وظائف في حياتنا اليومية وهي : المحاسب ، أمين الصندوق ، الموظف في البنك وفي ​التأمين​ ، سكرتير المكتب والإدارة والمستودع. وتكشف الدراسة عن احتمال كبير لأن يفقد حوالي 2،1 مليون شخص وظيفتهم في السنوات المقبلة"..

فمع تغير اسلوب العمل ، سيُحكم على موظفي المحاسبة ، على سبيل المثال ، بالاختفاء بين عامي 2041 و 2056.. لقد أدى إدخال عمليات النقل التلقائي بدلاً من تدوين الفواتير أو استخدام برنامج جدولة الى الغاء دور الموظف.

وينطبق الشيء نفسه على أمناء المكاتب والتوجيه وكذلك بالنسبة لموظفي ​المصارف​ والتأمينات التي من المرتقب أن يتم تحديد تواريخ انقراضها في الفترة ما بين 2072 و 2038.

وايضا ً ، استنادا ً الى دراسة أجرتها مؤسسة الفكر الليبرالي لمعهد Sapiens في ​فرنسا​ ، خمس شركات قد تأثرت بشكل خاص في السنوات الأخيرة بالتطورات المرتبطة بالروبوت والذكاء الاصطناعي وهددتها.

ولحظت الدراسة اختفاء مهنة موظف المصرف ، بعد تراجع عدد القوى العاملة بنسبة 40٪ بين عامي 1986 و 2016 . وثمة احتمال في اختفاء هذه المهنة تمامًا بحلول عام 2050 ، أي قبل بضع سنوات من المحاسبين .

 

أختفاء وظهور وظائف

بالنسبة للأمور المتعلقة بقضايا الصحة والبيئة، بدأ يتخوف البعض من الأساليب التي تم اتباعها في هذا المجال لأجل نشر الطاقة وأدواتها. الأمر الذي استدعى تدخل بعض العقول الباحثة لأجل إيجاد خطة ما لحل هذه المعضلة.

 

وبالفعل تم تقديم عدد من الحلول التي سيتم العمل عليها في الأيام القادمة، والتي ستشكل نتائجها بداية لتحرّك وتغيّر ضمن مجال صناعة الطاقة العالمي.

والخوف يستمر على اختفاء الوظائف غير الُمهمة والتي هي في معظمها تتعلق ب:محطات توليد الطاقة، مصانع الفحم و السكك الحديديّة. وكذلك المهندسون في شركات المرافق وخطوط الإصلاح سيتم الاستغناء عنهم.

 

أمّا الوظائف الجديدة التي ستنشأ مكانها فستكون مرتبطة بتصنيع وحدات إنتاج طاقة ضخمة للعمل الكامل، بالانخراط لعمليّة إعادة التدوير في هذا المجال.

 

خلال العشر سنوات القادمة، سنرى ظهور السيارات ذاتيّة القيادة التي لا تحتاج إلى سائق.

 

أمّا الوظائف التي ستخلق فتشمل مسؤولي الإرسال، منظمي مُراقبة حركات المرور،طواقم الطوارئ ومصممي حركات المرور الآليين.

 

ويمكن القول أنّ التدريس الجامعي قد يضمحل في السنوات القادمة ليحل مكانه التعليم الحر، الذي سيوفّر المعلومة للجميع بدون الحاجة للكثير من الشروط والقيود.

 

في هذا المجال، نحن نسارع نحو عالم الروبوت والآلة، ولا سيما في مجال الاستخدام العسكري لها.

 

في مطلق الاحوال ، كل هذا سيؤدي الى اختفاء بعض الوظائف ؛ فالروبوت سيحل مكان الصيادين، عمال المناجم،المفتشين وسيكون الروبوت حاملًا لمواد البناء على اختلافها.

 

اما الوظائف التي سيتم إنشاءهاللروبوتات: المصلحون ، المرسلون، المعالجون ، المدربون ومصممو الازياء لها.كما ستلقى الرواج مهن اخرى مثل تطوير البرمجيات، و اساتذة الدروس الافتراضية على الانترنت . وهذا يشكل رهانا كبيرا على تزايد الأرباح التي يجنيها العاملون الذين يكسبون المال من نقل المعرفة والتعليم.

 

الى جانب هؤلاء هناك المهندسون الطبيون مع ظهور أجهزة جديدة لتسهيل العمليات الجراحية،الاخصائيون في علم الوراثة الذين يساعدون على اكتشاف الامراض المُحتمل الاصابة بها ، العاملون في مجال الصحة العقلية والذهنية ، الاخصائيون في الطاقات البديلة او الطاقات المتجددة و المدراء الماليون الذين يتحكمون بادارة المؤسسات والشركات .

 

كما يبدو التكنولوجيا ستكون هي المهيّمنة على كل شيء. ولكن هذا سيف ذو حدين.

من هنا، من المفترض التفكير في المهن التي تقوم على الإبداع والعلاقات مع الناس.

هذا لأنها مهن يستحيل على الأجهزة والمعدات الحديثة القيام بها ، ولا يمكنها أيضاً اتخاذ القرارات.

ماذا بعد ؟ هل سيصبح الروبوت سيّد القرار الوحيد في المستقبل فيما الانسان يكتفي بالقول : "فكري دمّر عقلي ، وصناعتي دمرت وظيفتي ومهنتي" ؟