تعتبر صناعة المستحضرات الصيدلانية من أكبر الصناعات في العالم . وهي تعتمد على مجالي الابحاث والتطويرحيث هناك توقعات ان يبلغ إجمالي الإنفاق على هذه الصناعة حدود 160 مليار دولار بحلول عام 2020.

 

بلغ حجم مبيعات سوق ال​دواء​ في العالم قرابة التريليون دولار، وتستحوذ ​الشركات الأميركية​ على 30% منها والشركات الأوروبية على 30% واليابانية على 21% والباقي موزع على بقية دول العالم. واللافت ، أن 80 % من ​الأدوية​ في المنطقة العربية هي مستوردة من الخارج بينما الباقي يصنّع في المصانع العربية وحتى التي تصنع في المصانع الوطنية تكون المادة الخام مستوردة لذلك فإن أسعار الدواء دائمًا هي تحت رحمة ​الشركات العالمية​ وتقلبات أسعار الصرف.

 

اما في لبنان ، فهو وفق ما يتم التداول به في قطاعات صناعة الدواء ، يتم ​استيراد​ ما يقارب 93 في المئة من حاجته من الدواء من ​أوروبا​ و​أميركا​ والدول العربيّة المجاورة، في حين تقتصر حصة الصناعة الوطنية من السوق الدوائية على ما بين 7 و10%.

 

ومن الملاحظة ان لبنان يعاني عجزاً في ​الميزان التجاري​ يبلغ سنوياً ما يقارب 17 مليار دولار، وبالتالي تمثّل فاتورة الدواء المستورد 7 في المئة من العجز في الميزان التجاري.

 

يبلغ معدل الفاتورة الدوائية للمواطن اللبناني، بحسب وزارة الصحة العامة 244 دولاراً سنوياً مقارنةً بفاتورة في بلدان أخرى تصل الى نحو 700 دولار سنوياً، وفي بعض الدول تلامس الـ 1500 دولار سنوياً.

 

مع وزير الصحة العامة السابق ​غسان حاصباني​ تمت في العام 2018 إعادة تسعير 1130 دواء وتخفيض ​اسعار​ 523 دواء اي تخفيض اسعار 46% من ​الادوية​ التي شملتها اعادة التسعير العام 2018 .

اما في العام 2019، وبعد تعديل ​آلية​ تسعير الدواء في الاشهر الماضية، فإن إعادة التسعير ستشمل أكثر من 3400 دواء، 1600 دواء منها خلال الاشهر الاولى من العام.

 

ما هي القاعدة التي تم على اساسها تخفيض اسعار الادوية ؟ وهل هي الآلية الجديدة التي تحدث الوزير عنها ؟ (تصبح عمليةُ اعادة التسعير في الشهر الأول من السنة الثالثة بعد تسجيل الدواء في لبنان عوض السنة الخامسة ؟ هل هذا هو المقصود؟)

 

وما هي انواع الادوية التي تراجعت اسعارها ؟

 

جباره

 

يقول رئيس نقابة مستوردي الادوية واصحاب المستودعات في لبنان كريم جباره إن أسس تسعير الأدوية يضعها وزير الصحة العامة بموجب الصلاحيات المعطاة له في المادة 80 من قانون مزاولة مهنة الصيدلة، بالتشاور مع المعنيين من قطاع خاص (المصانع، المستوردون، الصيادلة) و​القطاع العام​ (وزارة الإقتصاد والتجارة، وزارة الصناعة ووزارة المال). تشمل تلك الأسس المراحل التالية:

 

تحديد سعر الاستيراد المجاز (فوب أو سيف) بالعملة الأجنبية على أن يكون بمستوى أدنى سعر المقارنة في بلد المنشأ و 7 بلدان أوروبية و7 بلدان الجوار.

 

تحديد أسس تحويل السعر المجاز الى سعر المبيع من العموم وفق جدول يحدد لكل شريحة من شرائح اسعار الاستيراد الخمسة نسبة مئوية لكل من مصاريف الشحن و​التأمين​، مصاريف تخليص ورسوم جمارك ومصاريف أخرى، وهامش ربح المستورد أو موزّع المصنع المحلّي وهامش ربح الصيدلي.

 

تحديد سعر تحويل عملة الاستيراد الى ​الليرة اللبنانية​ بعد احتساب معدّل الأسبوعين لأسعار تحويل العملات الأجنبية إلى الليرة اللبنانية الصادرة يومياً عن ​مصرف لبنان​، ويتم تنفيذ هذا المعدّل المحتسب كلما ارتفع أو انخفض عن المعدّل المعمول به بنسبة مئوية تفوق الـ 3% ارتفاعاً أم انخفاضاً.

 

تحديد الفترة الزمنية التي يجب اعتمادها لإجراء عملية إعادة التسعير.

 

والإجراء الذي اتخذه وزير الصحة العامة هو تقصير الفترة الزمنية من خمس سنوات الى ثلاث سنوات، مما يضاعف ثلاث مرات عدد الأدوية التي ستخضع لإعادة التسعير خلال سنة 2019.

 

وهذا الإجراء يطال كل أنواع الأدوية دون استثناء.

 

وفي غضون ذلك ، كيف ستكون نتائج إلغاء الفقرة 3 من المادة 47 المعدلة بالقانون رقم 91 الصادر في 6/3/2010 من تنظيم مهنة الصيدلة (المتعلقة بالوصفة الطبية الموحدة والتي تتيح للطبيب وضع NS اي يمنع استبدال الدواء بدواء جنيسيّ ) على سوق الدواء؟

 

برأي جباره يجب تفهَم قرار المشرّع بإعطاء الطبيب صلاحية وضع إشارة NS (غير قابل للاستبدال)، و حصر قرار التخلّي عن مسؤولية اختيار الدواء به دون سواه. ويقول " للاقتصاد": اننا ندرك أن للصيدلي كامل المؤهِلات لتأمين خدمة إستشارية للمريض توّفِق ما بين إمكاناته المادية و حسن العلاج.

كما إن القول بأن الطبيب لا يستحق أن يتحمّل هذه المسؤولية لأنه "منحاز" امر لا يجوز. كما انَه لا يجوز قول الأمر عينه عن الصيدلي.

 

لذا نرى ان الامر يتطلب دراسة معمَقة عن سوق الدواء في الصيدليات، خصوصا في ما يتعلق بنسبة ادوية الجينيريك، ومستوى الاسعار عامة، وقابلية التبديل، قبل إتخاذ اي قرار. كما أن هذا الامر يتطلب حوارا منفتحا ما بين نقابتي الاطباء و الصيادلة، تحت رعاية وزارة الصحة، بما فيه المصلحة العامة.

 

ولأن مستوردي الادوية وموزّعيها غالباً ما يتعاطون بأدوية مرجعية (originators) وأدوية جينيريك (generics) على السواء، ولأن نادراً ما يقومون بأعمال الدعاية الطبية، كون هذه المسؤولية يتحمّلها مصنّعو الادوية مباشرة، فإن تطبيق "الوصفة الطبية الموحّدة" ليس له اثر مباشر على حجم اعمال هؤلاء المستوردين/الموزّعين. وإن التأثير على حجم اعمالهم فهو مرتبط بشكل مباشر بقدرة مصانع الادوية التي يمثّلونها على اعتماد سياسة تسويقية اخلاقية، واقعية ومقنّعة، لتكون ادويتهم من بين "الادوية الانسب" التي يتم اختيارها.

 

حجم فاتورة الدواء

 

ومع كل هذه التعديلات الطارئة في السوق ، ماذا عن حجم فاتورة الدواء في لبنان للعام 2018؟

 

تعتمد نقابة مستوردي الادوية وحدة القياس العالمية لتحديد حجم اسواق الدواء وهي "سعر المبيع للسوق". اما مصادر المعلومات التي يتم الاستناد اليها فهي وفق جباره : تقارير احصائية شهرية صادرة عن مؤسسة IMS تتناول استهلاك الادوية عن طريق الصيدليات والمستشفيات، وتقارير المؤسسات العامة (Public Institutions) عن حجم مشترياتها السنوي للادوية.

 

ومع هذه المصادر ، ووحدة القياس المعتمدة عالمياً، تقدّر سوق الدواء لسنة 2018 ب مليار و400 مليون دولار. أي 233دولارا ً للفرد ، اذا اعتبرنا أن ​عدد السكان​ في لبنان هو 6ملايين (بما فيه عدد اللاجئين)، فيما أن استهلاك الدواء في الصيدليات في فرنسا، على سبيل المثال، هو 670دولارا ً للفرد.

 

ادوية الامراض السرطانية الاكثر طلباً

 

اما عن الادوية الاكثر طلباً في السوق فيوضح جباره إن الفئات العلاجية التي شهدت ارتفاعاً في الطلب في ما بين 2017 و 2018 هي أدوية الأمراض السرطانية والمناعة، أمراض الدم والقلب وأمراض الجهاز العصبي. ويقول : ليس لدي تفسير خاص بلبنان وإنما استطيع التأكيد أن هذه الظاهرة شبيهة بما نراه في بلدان العالم عامة.

 

وفي ما يتعلق بالطلب على ادوية الجينيريك في الاعوام الاخيرة يعتبر انه من خلال القراءة الأولية للإحصاءات المتواجدة لدى النقابة فإن نسبة أدوية الجينيريك، من مجموع العلب المباعة في الصيدليات، تصل الى 65%.

 

الادوية الحديثة والمفيدة

 

سوق الدواء واسع ويخضع لعوامل متعددة في العالم بينها ما هو ايجابي وما هو سلبي .

 

ما هي العوامل الرئيسية ؟

 

يلفت جباره الى انه من ضمن النظام العالمي لتسعير الأدوية أن تجيز السلطات الصحية العالمية لشركات الأدوية المصنعة للأدوية المبتكرة من جرّاء الأبحاث والتطوير العلمية، تحديد الأسعار التي تتماشى وقدرتها على استعادة تكاليف الأبحاث خلال فترة صلاحية براءة الإختراع العائدة لدواء ما، وذلك كحافز لتشجيعها على الاستمرار في الاستثمار في الأبحاث والمجيء بأدوية حديثة ومفيدة لعلاج الأمراض على اختلاف أنواعها.

 

بإصراره على الاستحصال الباكر على الأدوية الحديثة، يتصدّر لبنان لائحة البلدان الرائدة في هذا المجال، مما يحتّم أن يستورد لبنان الأدوية الحديثة بأسعار دخولها الأول الى ​الأسواق العالمية​. ومن ثم، مع الزمن، تنخفض الأسعار.

 

الجدير ذكره ، أن أسس تسعير الأدوية في لبنان والمعتمدة من قبل وزارة الصحة العامة هي علمية وشفافة وتوجب على مصنّع الأدوية أن يكون سعر الاستيراد الى لبنان (أي السعر الذي يدفعه المستورد للمصنّع عند الاستيراد) أدنى من سعر المقارنة في 14 بلداً مقارنة (7 بلدان مجاورة وسبع بلدان أوروبية). كما توجب الوزارة على المصنّع أن يعيد تحديد سعر الاستيراد (غالباً ما يكون التعديل انخفاضاً) كل 3 سنوات.

 

أما السبب الاساس لانخفاض سعر الاستيراد هو اقتراب نهاية المهلة المعطاة لدواء ما للاستفادة من حقوق ​براءة الاختراع​ العائدة له.

 

في مطلق الاحوال ، إن تخفيض اسعار الدواء حاجة ملحة . و المساواة في الحصول على المستحضرات الصيدلانية الجيدة هي مكون أساسي من مكونات تعزيز النظام الصحي وإصلاح نظام ​الرعاية الصحية​ الأولية ، لاسيما في البلدان المنخفضة الدخل والبلدان ذات الشريحة الدنيا من الدخل المتوسط. لذلك، فإن التمويل المستدام والفعال للأدوية والأسعار المعقولة من الأمور الضرورية لضمان الحصول على الأدوية وهما من الركائز الأساسية لإطار عمل منظمة الصحة العالمية في توفير الأدوية.

 

ولبنان اليوم بدأ يخطو خطواته في هذا المجال مع العلم ان الطلب يسلك مساراً تصاعديا على الدواء الشاغل الاساسي للباحثين الذين يتسابقون الى إكتشاف العلاجات .