من الواضح ان الاوضاع السياسية غير المستقرة التي امتدت منذ الربيع الفائت، وما رافقها من تعثّر لولادة الحكومة قد ساهمت في تعديل السياسة المصرفية المتبعة حيث انه للحفاظ على استقرار سعر صرف الليرة لجأ ​القطاع المصرفي​ الى رفع الفوائد على الودائع في السوق المحلية.

 

كما اطلق برامج ادّخار طويلة الأمد بفوائد مغرية خصوصا على الليرة بنسبة 14% و15% بهدف الاستمرار في استقطاب الودائع والاستفادة من الهندسات المالية التي اطلقها ​مصرف لبنان​، وذلك بالتزامن مع ارتفاع ​معدلات الفائدة​ الاميركية. الا انه المقابل ، تشدد في القيود المفروضة على ​التسليفات​ و​القروض المدعومة​ وخصوصا السكنية . وكانت الارتدادات سلاحاً ذو حدين.

 

هذا الترتيب المعتمد في القطاع المصرفي الذي فرضه السوق والمناخ السياسي يرتبط اي تعديل فيه بتغييرات تطال الاوضاع السياسية بإتجاه الانفراج وتنفيذ الاصلاحات البنيوية والادارية الموعودة والتي اصرّ عليها كل من المنظمين والمانحين في مؤتمر" سيدر" .

 

وفق ​حاكم مصرف لبنان رياض سلامة​ أن الفوائد المرتفعة راهنا تؤدي إلى كلفة أخف على ال​اقتصاد​ ، باعتبار أن الهدف الاساسي يكمن في الحؤول دون تهريب الاموال إلى الخارج . فاقتصاد لبنان مدّولر ، ونحن محكومون بالسياسة النقدية التي ترفع الفوائد بغية استقطاب الاموال بغياب حجم الصادرات المرتفع الذي يحتاج إلى سنوات بغية تحسينه .

 

مع كل ازمة سياسية ، تنسحب على تخفيض التصنيف الائتماني للبنان من قبل الوكالات العالمية ، يلجأ القطاع المصرفي الى سلاح رفع الفوائد في معركة المواجهة .

 

ومن المعلوم ان لسياسة رفع الفوائد بصمات في الوضع االقتصادي. لانه مع رفع سعر الفائدة على الودائع، في بلد يئن اقتصاديا يصعب الاقتراض ، وتتراجع ​الاستثمارات​ وبالتأكيد يتراجع الانفاق الاستهلاكي .

 

تتموضع ​المصارف​ في ​صلب​ القدرات الاقتصادية الوطنية ، وخصوصاً في مجالات الادخارات والتمويل والاستثمارات . لذا فقد تلقت التداعيات وفقا لقربها من ​الاحداث​ والوقائع المؤلمة . لكن طبيعة المهنة المصرفية القائمة على ادارة الاموال وما تزخر به من مرونة و​تكنولوجيا​ مصرفية ساعدت ادارات المصارف على تجنب العديد من المخاطر في الاسواق المضطربة.

 

ما هي الدوافع الحقيقية وراء لعبة رفع الفوائد المصرفية التي تتجلى نتائجها في السوق ؟ وهل هي سيف ذو حدين تحمي الليرة ولكنها تثني عن التوظيف في قطاعات انتاجية ؟

 

والى متى سيستمر المضي في سياسة رفع الفوائد المصرفية ؟

 

 

وزني

 

يلفت ​الخبير الاقتصادي​ الدكتور غازي وزني الى انه في الاجتماع الاخير لمجلس ​جمعية المصارف​ تم الاتفاق على استقرا ر الفوائد مع خفضها بهدف ضبط كلفة ​الدين العام​.

 

في السابق ، عندما تم اللجوء الى رفع الفوائد كان بسبب : اولاً: ضرورة استقطاب الاموال من الخارج في ظل المنافسة الاقليمية لتحسين رساميلها واحتياطاتها . ثانياً: تراجع النمو في القطاع الذي كان 3،3 %في العام 2018 في ظل الازمات السياسية التي كانت سائدة .

 

الا انه في العام 2019، مع تحسن الوضع السياسي تم اتخاذ القرار الجديد بخفض معدلات الفائدة التي هي 8% على ​الدولار​ و10 % على الليرة وذلك من اجل التحكم بكلفة خدمة الدين العام.

 

ويقول وزني " للاقتصاد" اذا كان النمو هذا العام افضل فهذا سيساعدها على قرارخفض الفوائد.

 

لاشك ان ارتفاع معدلات الفوائد انعكس على النمو والاقتصاد والاستثمارلصالح الاقتصاد الريعي دون ان ننسى اثاره على ​ارتفاع اسعار​ السلع ، وقد اوجد ازمة لدى ​التجار​ الذين طالبوا بايجاد الحلول اللازمة لخفضها .

 

 

القروض السكنية

 

اما عن اسباب تعقيد تسيير القروض السكنية من قبل المصارف فبرأيه ان الموضوع مرتبط بعدة عوامل اهمها :

اولاً: حجم القروض قياسا على التسليفات التي هي مرتفعة وقياسا على ​القطاع العقاري​ مع الاخذ بعين الاعتبار السياسة اسكاية المتبعة .

ثانياً: ​الركود​ الموجود في القطاع العقاري وتراجع الاسعار .

ثالثاً: ضعف نمو القطاع المصرفي .

رابعاً: عدم وضوح ​آلية​ دعم قروض الاسكان سواء من قبل مصرف لبنان او الحكومة ، الى جانب التعاميم الصادرة عن الاول اي "المركزي" بشأن الاحتياط الالزامي .

 

والمقصود هنا التعميمين الاخيرين 503 و504. التعميم الأول تتضمن على أنه: " لا يجوز أن يزيد صافي التسليفات الممنوحة من المصرف للقطاع الخاص بالليرة اللبنانية عن 25% من مجموع ودائع الزبائن لديه بالليرة اللبنانية. ويتوجب على المصارف إيداع قيمة كل فرق يزيد عن النسبة المحدّدة في حساب مجمّد لدى مصرف لبنان لا ينتج فوائد وذلك لحين تسوية هذا التجاوز. وتمنح المصارف التي تكون في وضع مخالف مهلة حدّها الأقصى 31/12/2019 لتسوية أوضاعها. ويمكن للمصارف التي يتعذر عليها تسوية أوضاعها خلال هذه المهلة، مراجعة المجلس المركزي بهذا الشأن."

 

أما التعميم الثاني فهو يتعلق بالسماح للمصارف بـ"إعادة جدولة للقروض إذا تم تحويلها لهذه الغاية من الليرة اللبنانية إلى الدولار الأميركي أو إذا كانت ممنوحة أصلاً بالدولار الأميركي". كذلك ينصّ التعميم على أنه في حال تصنيف القروض التي منحتها المصارف من خلال عمليات الدعم التي يقدمها لها مصرف لبنان ضمن درجة "مشكوك في تحصيلها" أو "رديء" أو في حال توقف المشروع الذي منح من أجله، تستحق التسليفات الممنوحة من مصرف لبنان.

 

ومن المعلوم ان هذه الاجراءات لم تناسب عدداً من المصارف ونقلها الى موقع المتردد في القيام بإقراض لاغراض سكنية .

 

يضاف الى ذلك ، عدم جدية الدولة اللبنانية في قرار اتخذه ​مجلس النواب​ سابقا حول فتح اعتمادات ب 100مليار ليرة لدعم قروض الاسكان لمدة سنة . ورغم ان المبلغ هوغير كاف، فإنه لم يسلك طريق التنفيذ.

 

وتوقع وزني انه ينجح الاستقرار السياسي والنقدي في العام الحالي 2019 الى جانب التفاهم بين كل من المصارف ومصرف لبنان والحكومة الى إعادة إطلاق القروض السكنية المدعومة بعد طمأنة القطاع المصرفي .

 

 

الازدواج الضريبي

 

وعن قانون الازدواج الضريبي الذي يبقى مطلباً ملّحا لدى المصارف تطالب بضرورة العودة عنه لما يشكل من اعباء كبيرة على القطاع حيث ان المصارف مكلفة بضريبة الفوائد وبضريبة الارباح معاً فيما انه في مفهوم اصحاب المصارف الارباح هي فوارق فوائد ، وهي تقوم باقتطاع الضريبة على الفوائد ثم تقوم بتنزيلها من ضريبة الارباح، لأن طبيعتها سلفة على الضريبة، يقول وزني" لا يوجد اي ارتدادات سلبية لتطبيق هذا القانون على المصارف وعلى رساميلها او حتى حجم ارباحها بل ان هذا القانون يؤمن ايرادات سنوية مباشرة لخزينة الدولة هي بحدود 400مليون دولار " .

 

لا بد من الاعتراف بانه من حق المصارف الترّقب والانتظار في هذه المرحلة الدقيقة والمصيرية في اقتصاد البلاد ، الذي يستمد قوته وصموده من سلامة ادائها وتطوّرها. هناك قناعة وثقة بان ​القطاع المصرفي اللبناني​ سيظلّ ملتزماً، كما في كلّ الظروف، بمساندة الدولة بمؤسّساتها وسلطاتها الدستورية، وبمواصلة تطبيق قواعد الإمتثال والشفافية تحت سقف السلطات النقدية والرقابية الرسمية، مع كل الحرص على أدائه المعهود والمتميّز بحسن إدارة المخاطر وباحترام قواعد العمل المصرفي الدولي، ضماناً لإنخراط لبنان الآمن والمستدام في المنظومة المالية الدولية.