وضع المبعوث الفرنسي المكلف متابعة تنفيذ مقررات مؤتمر "سيدر" السفير بيار دوكان خلال مؤتمر صحافي يوم الجمعة الماضي، الاصبع على عدة جروح ​لبنان​ية، تعطل عملية ​اصلاح​ وانقاذ القطاعات الاقتصادية. وتكفي اشارته الواضحة الى غياب الهيئات الناظمة في عدة قطاعات، وابرزها الاتصالات و​الطاقة​ .

المعروف ان هذين القطاعين مملوكين من الدولة، الاول هو الدجاجة التي تبيض ذهباً، بارباح حالية تقدر بمليار و700 مليون دولار سنويا، أما الثاني فهو على العكس، محرقة المال العام، بخسارته السنوية التي تتجاوز ارباح ​قطاع الاتصالات​، اي ما يقارب الملياري دولار سنويا .

المفارقة ان القطاعين "فالتين" ولا يخضع عملهما لاي نظام، بسبب غياب الهيئتين الناظمتين لهما، علما ان الحكومة قررت اقامة هاتين الهيئتين. بالنسبة لقطاع الاتصالات وفقا للقانون 431 الصادر عام 2002، تشكلت الهيئة الناظمة للاتصالات في شباط 2007 وانتهت ولايتها في شباط 2012، من دون ان تشكل من جديد بسبب غياب التوافق السياسي، وبسبب النزاع على الصلاحيات بينها وبين الوزراء والمدراء العامين المتعاقبين على وزراة  الاتصالات، فالهيئة هي التي تنظم قطاع الاتصالات وتراقب المشغلين والشركات وتعطي التراخيص وتراقب الاسعار وجودة الخدمات وتضع البرامج والشروط لاعطاء تراخيص جديدة، وهذا يعني ان دور الهيئة حيوي لتشجيع الاستثمار في هذا القطاع الهام، ومن هنا تركيز مؤتمر "سيدر" على ضرورة قيامها باسرع وقت.

 

اما الهيئة الناظمة لقطاع ​الكهرباء​ فلم تتشكل ابدا على رغم ورودها في قانونين هما قانون تنظيم قطاع الكهرباء رقم 462 الصادر عام 2002 والقانون رقم 181 الصادر عام 2011، والاخير يؤكد وجوب تشكيل الهيئة خلال مدة أقصاها ثلاثة أشهر من تاريخ نشر القانون في الجريدة الرسمية". كما تحدث القانونان عن ضرورة اعادة تشكيل مجلس ادارة جديد ل​مؤسسة كهرباء لبنان​ . فللهيئة بحسب القانون  صلاحيات هائلة خاصة فيما يتعلق بامور الانتاج وما يختص بأي شراكة يمكن ان تنشأ بين المؤسسة كقطاع عام و​القطاع الخاص​، وهناك دور اساسي لها حسب القانون 462 فهي من يعطي الرخصة لشركات الانتاج ومن يراقب ويقوم بعمل المخططات التوجيهية.

وبما ان ​مجلس النواب​ اقر في العام 2017 قانون الشراكة بين القطاعين العام والخاص ، صار من الواجب انشاء الهيئة الناظمة لقطاع الكهرباء لتنظيم وادارة هذه الشراكة  ، وهذا ما شدد عليه السفير دوكان ايضا .

 

غياب الهيئتين يترك القطاعين المعنيين لاستنسابية الوزير المختص وفريق المستشارين التابع له ،هذا من الناحية التقنية ، اما سياسيا فيعني ان كل قطاع يخضع لفريق سياسي ، فيتحول الى موضوع نزاع وسجالات ، لاتمت بصلة الى حقيقة ازمة القطاع وضرورة معالجتها .

 

الاتصالات

 

في الاتصالات ، يقال ان الهاتف الخليوي هو ​نفط​ لبنان ،  وايراداته السنوية تبلغ 1.7 مليار دولار ، ولا وجود للهيئة التي تراقب كيفية انفاق هذه ​الايرادات​ ، او السهر على تطوير القطاع وزيادة ربحيته ، فالطريقة التي يتمّ عبرها التصرّف بإيرادات هذه الضريبة المستترة المفروضة على اللبنانيين والمقيمين  تبين أن قسماً مهما منها يستخدم لتمويل مشاريع ومقاولات ونشاطات من خارج ​الموازنة العامّة​ وبعيداً من أي رقابة، وفي حالات كثيرة بتوقيع من الوزير فحسب.

 

نائب رئيس الحكومة ​غسان حاصباني​ وصف بدقة هذه الفوضى ، وقال في ورشة عمل نظمتها القوات اللبنانية بعنوان “تفعيل القيمة الاقتصادية وال​مالي​ة لقطاع الاتصالات”، بالتعاون مع منظمة “كونرد ايديناور” و” مركز ​الشرق الأوسط​ للأبحاث والدراسات ​الإستراتيجية​ : في عام 2002، أقرّ قانون تنظيم ​قطاع الإتصالات​ حمل الرقم 431 وهدف إلى تشكيل هيئة ناظمة، وفتح القطاع للمنافسة من قبل القطاع الخاص. اتبع هذا النموذج في غالبية البلدان. طبق القانون جزئياً وشكلت الهيئة الناظمة، لكن التطبيق سرعان ما توقف، وأصبح لدينا ملكيات هجينة لشبكتي الخليوي تدار من قبل شركات خاصة، لكنها تحت سلطة الوزارة، إضافة إلى عقد مع هيئة “أوجيرو”.

ولفت حاصباني، إلى إن هذه الهيكلية لا تخضع لا لمعايير القطاع الخاص، ولا للرقابة المسبقة للقطاع العام، مما يجعل من كلفتها على الدولة والمواطن عالية،مضيفا:“الإستثمارات في تطوير الشبكات يمكن للقطاع الخاص أن يقوم بها عوضاً عن الدولة. فهذا القطاع هو من أكثر القطاعات المؤهل للشراكة مع ​القطاع العام​ لتخفيف العبء عن الدولة وخفض الكلفة على المستهلك من خلال المنافسة”.

ورأى أنه لا يمكن إلا أن يكون هذا القطاع من ضمن سلة الإصلاحات الهيكلية لما له من أهمية اقتصادية ومردود مالي للخزينة في فترة وجيزة، في حال دخول القطاع الخاص عليه.

فمن المستفيد من هذه الفوضى ؟

 

الكهرباء

كذلك الحال في الكهرباء ، ولو في اتجاه معاكس ، فهي لا تحقق اي ايرادات وانما تخسر ملياري دولار سنويا ، ولكن هناك من يستفيد من هذه الخسارة ويمعن في ادامتها.

يقال ان وزارة الطاقة هي قبلة أهل السلطة في أي تشكيلة حكومية، ومن يضع يده عليها يتمسك بها غير عابئ بشبهة ​الفساد​ الذي يتواصل استجراره عهدًا بعد عهد عوضًا عن استجرار النور إلى بيوت اللبنانيين ، فهي جزء من الرشوة السياسية.وما يؤكد ذلك ان

هناك من اخترع نظرية مفادها أن الهيئات الناظمة تضرب صلاحيات الوزير المفروض أن يكون سيد وزارته، أي تضرب اتفاق الطائف. مع أن مبدأ الهيئات الناظمة وجد لحماية القطاعات العامة من تدخل السياسة وتأمين حسن سير العمل في المرفق العام .

 

الشراكة الثلاثية

 

في قطاع الكهرباء فان التوّجه العالمي الجديد، ينطلق من مبدأ المشاركة بين القطاعين العــام والخاص، تحت عنوان “الشراكة الثلاثية”، اذ يحدد في كل قطاع، دور كل من الأفرقاء الثلاثة:

-القطاع العـــام ودوره في وضع وإقرار ​استراتيجيا​ تشكل سياسة وطنية إلزاميّة ومستمرّة لفترة محددة، وتلتزم بها الخطط والقوانين والمراسيم.

-القطاع الخاص (وبعض القطاع العام) كمسؤول عن التمويل والإنشاء والتجهيز والتشغيل والصيانة في القطاع المعني.

-الهيئة الناظمة للقطاع – كهيئة معنوية مستقلة وشفاّفة – مسؤولة عن التنظيم والترخيص والرقابة وضمان تطبيق سياسة الدولة في ما خصّ هذا القطاع. وبالتالي حصر “مرجعية القطاع” في هذه الهيئة.

من هنا يبدو دور الهيئة الناظمة اليوم على ابواب تنفيذ مقررات سيدر ، وبعد اقرار قانون الشراكة بين القطاعين العام والخاص ، اساسيا وفعالا للأدوار المحددة في القانون لكل من الدولة والقطاع الخاص ، فهي دليل على الشفافية ، وقد تم اقرارها من قبل الحكومة في القانون 462 بتشجيع من ​البنك الدولي​ ،

لقد جمدت الحكومات المتعاقبة تطبيق هذا القانون متذرعة بأسباب شتى، وامتنعت عن تعيين الهيئة الناظمة لقطاع الكهرباء، وأعادت العمل بالقانون الذي صدر بالمرسوم رقم 16878، تاريخ 10 تموز 1964، والذي أنشأ مؤسسة كهرباء لبنان بهيكلية عمودية احتكارية لوظائف القطاع الثلاث.

المؤسسة أقرت جزئيا بمبدأ الفصل  بين القطاعات الثلاثة للكهرباء في لبنان، وهي معامل الإنتاج والشبكات والتوزيع والجباية. فقد جرى فصل الجباية والتوزيع عن الانتاج والشبكات ، وجرى تلزيمهما الى مقدمي الخدمات في تجربة حققت بعض النجاح ، وتعرقلت في اماكن معينة بسبب الواقع السياسي للبلد. ولكن قطاعي الانتاج والشبكات بقيا مهملين فتفاقمت ازمة الانتاج والتوزيع.

فمن المستفيد من هذه الفوضى ؟

في القطاعين المتناقضين من حيث الانتاجية والربحية واقع واحد ، وهو التسيب . في الاتصالات تضيع الايرادات والارباح ، وفي الكهرباء تضيع المسؤولية عن حرق المال العام بلا طائل .