تتزايد هموم المواطنين اللبنانيين مع استمرار الأوضاع الاقتصادية الصعبة التي تمر فيها البلاد. ولعلّ الهم الأكبر الذي تعاني منه غالبية العائلات اللبنانية، الى جانب الهموم السياسية والمعيشية "الاعتيادية"، يكمن في الأٌقساط المدرسية والجامعية المرتفعة و"المتصاعدة" باستمرار، والتي قد لا يتحمل تكاليفها معظم الأهالي، في ظل تردي أوضاع المدارس الرسمية، وتفاقم المشاكل والصعوبات اليومية؛ مثل ارتفاع أسعار السلع، وغلاء المعيشة، وحد أدنى غير مناسب حتى لتأمين أبسط متطلبات العيش.

 

فنحن نسمع منذ فترة عن إمكانية حصول إنهيار اقتصادي، كما تتردد في المقابل مقولة أن "الليرة بألف خير". ولكن ما نفع "خير" الليرة إن لم يكن الموطن يعيش فعلا بهذا الخير!

 

والمواطن جورج زريق هو خير دليل على أن الضغط واليأس والألم والانكسار والكآبة والفقر، كلها عوامل قد تغلب على الانسان وعلى رغبته في الحياة، ليستسلم أمام طريق مسدود، وواقع أقل ما يقال عنه أنه غير عادل.

 

فما هو المطلوب اليوم للحدّ من تفاقم الأزمات الاجتماعية والاقتصادية؟ وكيف يمكن يجب إعادة تفعيل دور المدارس والجامعات الرسمية؟ وهل أن الحكومة الجديدة ستحقق التغيير المنتظر؟

 

هذه الأسئلة وغيرها أجاب عليها ​رئيس الاتحاد العمالي العام​ ​بشارة الأسمر​ في هذه المقابلة الخاصة مع "الاقتصاد":

 

 

في ظل الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية التي وصلنا اليها في لبنان اليوم، وحادثة انتحار المواطن جورج زريق غير المسبوقة، ما هو المطلوب خلال المرحلة الراهنة؟

 

موت المواطن جورج زريق كان بمثابة نتيجة حتمية للسياسات الاقتصادية "الانتحارية" التي انتهجت في البلاد، والتي أدت الى ​الوضع الاقتصادي​ الصعب والى الحالة العيشية المأساوية التي نتخبط فيها اليوم.

ولهذا السبب، من الضروري إعادة النظر في المدراس والجامعات الرسمية لجهة دعمها، فهناك فئة كبيرة من المواطنين الذين يعتبرون المدرسة الرسمية "فاشلة"، اذا صح التعبير، واذا أراد رب العائلة تأمين المستوى اللائق من العلم لأولاده، يعمد لإرسالهم الى المدرسة الخاصة.

وبالتالي يجب أن نلغي هذا الواقع من الأذهان، وذلك من خلال دعم الجهة التعليمية الرسمية التي كانت قبل الحرب اللبنانية قدوة؛ اذ نجد أن عددا كبيرا من المسؤولين اللبنانيين، من وزراء ونواب، هم من خريجي الجامعات والمدارس الرسمية اللبنانية.

لذلك، ندعو اليوم وزير التربية أكرم شهيب الى إعادة النظر في دعم المدرسة الرسمية. وأعتقد أنه سيقوم بأكثر من مهامه في هذا النطاق.

 

 

هل يمكن القول أن حالة العامل اللبناني وصلت الى الحضيض؟

 

الوضع مأساوي لأسباب عدة:

أولا، الاستعانة باليد العاملة الأجنبية على حساب اليد العاملة اللبنانية، ما يؤدي الى التهرب من الرسوم والضرائب التي من المفترض أن تدفع على العامل اللبناني، بدءا بالضمان الاجتماعي والتسجيل، ووصولا الى التصريح عنه لوزارة المالية، ودفع الضرائب التي تترتب على كل مؤسسة.

ومن هنا، فإن الاستعانة باليد العاملة الأجنبية التي تعد جزءا لا يتجزأ من ​التهرب الضريبي​، تؤدي الى انعدام فرص العمل أمام اللبنانيين – والتي تعد بالأساس منعدمة - في ظل الوضع الاقتصادي المرير الذي نعيشه.

ثانيا، الصرف التعسفي الذي تشهده بعض القطاعات، مثل ​السياحة​ و​المصارف​، بسبب تراجع الحركة من جهة، وأسباب أخرى من جهة ثانية، حيث تلجأ بعض الإدارات الى صرف الموظفين الذين تخطت رواتبهم عتبة معينة، للاستعانة بجامعيين يتقاضون رواتب أقل.

ثالثا، تضاؤل فرص العمل، ما يعني أن الاقتصاد شبه متوقف في ظل وجود نسب الفوائد المرتفعة التي أدت الى وقف ​النمو الاقتصادي​، وبات الناس يلجأون الى وضع أموالهم في المصارف عوضا عن استثمارها وتشغيل الناس؛ اذ أن هناك 33 ألف خريج جامعي سنويا، و3000 منهم فقط، أي أقل من 10%، يجدون فرص عمل.

 

 

هل سينظم الاتحاد وفقات احتجاجية في المستقبل القريب؟

 

نعم بالطبع، الاتحاد حاضر دائما للتحرك. وخلال الفترة المقبلة، سوف نطلق "الحملة الوطنية للتوظيف" بالاشتراك مع مجموعة من الشباب في المجتمع المدني، من أجل تسهيل التواصل بين الشركات وبين الشباب اللبناني، بهدف زيادة فرص العمل.

وفي هذا الإطار أيضا، نسعى بعد تأليف الحكومة التي ستضع مقررات "سيدر" موضع التنفيذ، الى دعم فرص العمل عبر حوار بين أصحاب العمل والاتحاد العمالي العام، يسهم في زيادة هذه الفرص عبر تكبير حجم الاقتصاد، والقيام بإجراءات صالحة، والتعاون بين الاتحاد ومختلف الوزارات، وثلاثية التمثيل. وذلك لكي نسهم في التخفيف من وطأة الوضع الاقتصادي الصعب على الشعب اللبناني خلال المرحلة الراهنة.

 

 

الأصداء اليوم إيجابية جدا حول الحكومة الجديدة، فما هي توقعات الاتحاد؟ وهل تشعرون بالتفاؤل من المرحلة المقبلة؟

 

من المفترض أن نتعاون في إطار تنفيذ المقررات التي ستصدر عن الحكومة، وأن لا تكون هذه المقررات على حساب الفئات الشعبية أو الفقراء أو متوسطي الدخل.

ومن هنا، نؤكد على رفضنا الكامل لأي زيادات ضريبية أو زيادة الرسوم على ​البنزين​ مثلا، وندعو الى حوار حول الطرق السليمة لإعادة إنعاش ​الاقتصاد اللبناني​، وليس عبر اللجوء الى الضرائب وتحميل الفئات الشعبية حمل الحالة الاقتصادية الصعبة التي وصلنا اليها.

ولا بد من الاشارة الى وجود وزراء أكفاء ونظيفي الكف في هذه الحكومة الجديدة، ما يبشر بأن تكون حكومة عمل بالفعل.