تمر العديد من ​الدول العربية​ بازمات اقتصادية حادة تدفعها الى عمل استراتيجيات لتخطي هذه الازمات، فتجد نفسها تتجه الى المؤسسات الدولية وابرزها ​صندوق النقد الدولي​ للحصول على المساعدات المالية والقروض في خطوة قد تزيد من فشل هذه السياسات وتزيد العبء على عاتق هذه الدول ، فيكون التقشف وانهيار العملة والنسب القياسية للتضخم اهم ملامح الاجراءات الاقتصادية المرتبطة باي برنامج اصلاح اقتصادي يعمل تحت مظلة النقد الدولي الذي يلجأ بدوره الى وضع شروط صارمة للموافقة على دعم الدولة فيرى البعض هذه المؤسسة متغطرسة بتعاملها تسعى لفرض ارادتها على الدول بدون اعتبار للظروف الداخلية لكل دولة فاورثت شعوبها فقرا مدقعا وعوزا في بعض الاحيان ناتجا عن ​سياسة التقشف​ الذي تفرضها ورفع الدعم الحكومي عن السلع ولا سيما الاساسية وتسريح العاملين.

وقد يتفق الاغلبية على أن الآثار السلبية لدخول الصندوق في أية دولة متشابهة إلى حد كبير، لكن في الواقع لا يتعامل الصندوق معاملة واحدة مع كل الدول التي تطلب الدعم منه، فأحيانًا يكون سخيًّا ويوافق على برامج إصلاحية لا تتضمن إجراءات تقشفية حادة كالمعتاد، وأحيانًا أخرى لا يكون بنفس درجة السخاء، بل يفرض كذلك شروطًا قاسية، على الرغم من حاجة الدولة الماسة لهذا الدعم، ومن الواضح ان سخاء هذا الصندوق لا يظهر في الشرق الاوسط والتجارب خير دليل فالكثير من دول المنطقة عملت في السابق، أو تعمل حاليًا على برامج اقتصادية تحت مظلة الصندوق، الذي يتعامل بدوره معها بحزم ويفرض شروطا قاسية اججت الاحتجاجات الشعبية المنددة بالواقع المعيشي وبتدهور الاوضاع الاجتماعية ولعل تجربة مصر و​تونس​ أو الأردن خير دليل ، بالإضافة أنه يرفض إلى الآن مساعدة ​السودان​، لكن في المقابل نرى تميز واضح في معاملة صندوق النقد الدولي مع الدول وابرز مثال الارجنتين التي حصلت على القرض مؤخرا .

 

وفي هذا الاطار وللتعرف اكثر على دعم صندوق النقد الدولي للدول العربية والسياسات الاصلاحية التي تعتمدها بعض الدول العربية للحصول على القروض بالاضافة الى تجارب هذه الدول وخاصة الاردن كان لموقع الاقتصاد حوارا خاصا مع الخبير الاقتصادي من الاردن الدكتور مازن مرجي الذي اجاب بدوره على هذه الاسئلة.

-برايك ما هي الاثار السلبية لحصول الدول على قرض صندوق النقد الدولي والخضوع لشروطه وخاصة الدول العربية ؟ وكيف تنعكس هذه الشروط القاسية على المواطن؟

نظريا يعمل صندوق النقد الدولي وضمن اطار اهدافه المعلنة على مساعدة الدول الاعضاء على تعزيز قدرتها على تبني وتطبيق سياسات اقتصادية سليمة، في المقابل يقوم الصندوق بفرض شروطه التي على الدول المقترضة ان تلتزم بها مقابل الحصول على القروض او شهادات التوصية والتقييم الإيجابية اضافة الى المساعدات الفنية ، وتسمى هذه الشروط بالوصفات او رسميا تدعى بالبرامج الاصلاحية وهي برامج إصلاحات هيكلية او مالية او نقديه او غير ذلك.

 

اما الدول العربية الفقيرة وخاصة تلك التي ليس لديها ثروة نفطية او خلافه تغنيها عن الاقتراض الخارجي وخاصة من الصندوق مثل الاردن ومصر ولبنان وتونس والسودان، فانها ونتيجة ما تعانية من مشكلات اقتصادية متفاقمة بسبب السياسات والبرامج الاقتصادية والمالية والنقدية وحتى السياسية والاجتماعية الغير سليمة والتي ادت الى تراجع مستويات المعيشة وضعف الإنتاجية وغياب القدرة على استغلال ما تتمتع به من ثروات او موارد طبيعية وبشرية بل والاخفاق في احداث التنمية الاقتصادية المناسبة وتحقيق نسب النمو الضرورية للمحافظة على حيوية الاقتصاد وقدرته على خلق الفرص الاستثمارية اللازمة للتوسع في الانتاج ومن ثم خلق فرص العمل وزيادة قيمة الصادرات كل ذلك اضافة لتفشي الفساد على اشكاله في كل جوانب الحياة العامة الاقتصادية والادارية والاعباء الغير محدودة التي فرضتها الصراعات الاقليمية والعالمية مما ادى بتلك الدول الى طرق ابواب البنك وصندوق النقد الدوليين لاستجداء القروض والمساعدات تحت جو من خداع النفس بان الحل السحري هو في جعبة تلك المؤسسات الدولية التي أنشأت اصلا خدمة لسياسات ومصالح اقتصاديات الدول الغنية القوية التي تسيطر وتسير عليها وتستخدمها في تحقيق غاياتها واغراضها الوطنية على حساب الدول الفقيرة.

 

لذلك فان معضلات رئيسية وخطيرة اصبحت تلازم اقتصاديات هذه الدول الفقيرة ومن ضمنها دول عربية عديدة حيث الفقر والبطالة والتضخم والعجز في الموازنة العامة والعجز الكبير في الميزان التجاري، حيث يتراجع الانتاج وبالتالي نسب وقيمة الصادرات لصالح الاستيراد والاستهلاك وتراجع اسعار صرف ​العملات​ الوطنية مقابل العملات العالمية الرئيسية بصورة واضحة ومن جهة اخرى تراجع القوة الشرائية بسبب تدني الأجور ونسب التضخم غير المسبوقة التي جعلت من تحقيق اي نمو اقتصادي إيجابي واضح ضرب من المستحيل.

 

كل ذلك ادى الى تبني هذه الدول ورضوخها لسياسات وبرامج قاسية فرضها عليها صندوق النقد الدولي مقابل اغراقها بالديون حيث تراكمت القروض لتصل المديونية الخارجية والداخلية في كل منها الى نسب وصلت الى ما يقارب مئة بالمئة من ​الناتج المحلي​ الإجمالي وذلك تحت مسمى الإصلاح مما ادى تبني سياسات جبائية عميقة ادت الى زيادت الضرائب وتنوعها بشكل قصم ظهر مواطني تلك الدول الذين حرموا من الحصول على اي دعم لحاجاتهم الاساسية من غذاء ودواء وتعليم وبنى تحتية، فانطلقت ما سميت بالثورات او ​الربيع العربي​ والتي ساهمت بصورة اكبر في تراجع اقتصاديات الدول العربية كلها، الفقيرة منها والغنية على حد سواء وبشكل غير مسبوق.

 

برايك وعلى ضوء تجارب الدول العربية مثل مصر الاردن وتونس ، هل يتحسن ​الوضع الاقتصادي​ بعد حصولهم على القرض او يكون بمثابة عبء اضافي على هذه الدول ؟

من واقع التجربة فإن الدول العربية وغيرها من الدول والتي ارتمت في احضان صندوق النقد الدولي وباقي المؤسسات المالية و​البنوك العالمية​ تحت حلم التخلص من المعضلات الاقتصادية التي تعاني منها من جانب وطمعا بتحقيق ​النمو الاقتصادي​ المطلوب الذي يمكنه المساهمة في التنمية المستدامة ومن ثم الازدهار، من جانب آخر، قد ثبت وبصورة لا تدع مجالا للشك بان هذا النهج فد فشل في تحقيق الاصلاحات المطلوبة وان يكن قد نجح في منع الانهيار في جوانب محددة او في التخلص مما سمي بعض التشوهات في هياكل واليات العمل المالي والاقتصادي والسياسات النقدية، الا ان الحقيقة ان النتيحة الابرز التي تحققت لشعوب الدول المقترضة هي المديونية العالية اي اصبحت سياسات الاقتراض هي عبء ثقيل جدا، وايضا تحقق نسب عالية من البطالة ومستويات الفقر وكذلك ادت الى تاكل المداخيل وانهيار او تراجع القوة الشرائية للعملات الوطنية وتهاوي معدلات صرفها مقابل العملات الصعبة والتي اصبحت مهددة بالانهيار ومثال ذلك الجنيه المصري او عملية ربط بعضها بالدولار مباشرة لحمايتها كما هو الحال مع الدينار الأردني.

 

كيف تصف تجارب الدول العربية في هذا المجال ؟ وتجربة الاردن مع صندوق النقد الدولي ؟وهل حققت البلاد اهداف التنمية المرجوة ؟

 

ربما تكون دول عربية مثل مصر وتونس والأردن هي الاكثر تورطا او اعتمادا واتكالا وتطبيقا لوصفات علاج او برامج الاصلاح صندوق النقد الدولي خلال العقدين او الثلاثة عقود الماضية وخاصة العقد الاخير والذي تزامن مع ​الازمة المالية​ العالمية واشتعال ما سمي بالثورات او الربيع العربي والذي طال هذه الدول بصورة خطيرة ومباشرة ، وادى الى احداث تغيرات بنيوية عميقة في السياسات الاقتصادية وجعل منها دولا اقل حرية واقل قدرة على تدبر امورها الاقتصادية وبالتالي فتحت ادارة صندوق النقد اذرعها الاخطبوطية لاحتواء واعادة تشكيل حياة هذه الدول الاقتصادية بصورة جعلتها معتمدة بصورة متعاظمة الى درجة الادمان على قروض وبرامج المساعدة والإصلاح التي يقدمها الصندوق.

 

اما الأردن والذي تسببت وصفات صندوق النقد في اندلاع اكبر احتجاجات شعبية رافضة لسياساته التي تبنتها حكوماته المتوالية كان من نتائجها اسقاط الحكومة ورغم ذلك اصبح الأردن مع وجود ضغوطات شعبية واقليمية اكثر اعتمادا على القروض من صندوق النقد حيث كان اخر قرض توصل الى الموافقة عليها بمبلغ ١.٢ مليار دولار سيستخدم فقط لسداد اقساط وفوائد قروض سابقة تستحق هذا العام وهذا يعطي دلالة واضحة على حجم الورطة التي وضع الاردن نفسه بها .

 

برايك هل يتعامل صندوق النقد الدولي بطريقة متشابهة مع جميع الدول او هناك تميز بين هذه الدول ؟ ولماذا ؟

ارى ان تعامل صندوق النقد الدولي مع الدول الاعضاء يرتكز بالدرجة الاولى على اهمية هذه الدولة او تلك في خدمة مصالح الدول الممولة والمسيطرة على هذه المؤسسة وايضا على عمق المشاكل والمصاعب الاقتصادية التي تعاني منها الدول وبالتالي مدى تعاونها او استعداد حكوماتها لقبول اشتراطات الصندوق وقدرتها على تمرير وتطبيق التشريعات والإجراءات وتبني السياسات التي تخضع من خلالها مواطنيها لارادة الصندوق وبالتالي القدرة على اطفاء اي احتجاجات او معارضة شعبية محتملة مما يتيح له الوصول الى المآرب والغايات للقوى العالمية ذات المصلحة والنفوذ في هذه الدول الفقيرة او التي تم توريطها واستغلالها وبالتالي استلاب ارادتها وقرارها الوطني المستقل.