لطالما كان النظام الصحي والناضج معياراً لتقييم اداء انظمة الدول المتطورة خصوصاً التي منها يؤمن الرخاء لابناء المجتمع.

 

ومن المسلم به ان الشعوب التي تعيش في بيئة صحية سليمة تمنحها التمتّع بصحة جيدة الى جانب تقديمات طبية راقية مؤمنة من الدولة على صعيد الكلفة تستطيع بكل سهولة تحقيق النمو في البلاد، عبر زيادة الانتاجية وتخفيف الاعباء من الاكلاف الصحية عن طريق تخفيف كلفة الفاتورة الصحية التي عادة تشكل باب انفاق واسع في موازنات الدولة .

 

وللتذكير فان بعض البرامج الانتخابية في بعض الدول المتطورة واهمها في ​الولايات المتحدة​ ، اعتمدت في الكثير منها على حملات تتناول البرامج الصحية المثلى ، وكيفية تحسين مستوى الصحة والطب وتحقيق العمر المديد بنوعية جيدة من الصحة، لما لذلك من تداعيات ايجابية على وضع الاقتصاد ككل.

 

في المبدأ ، تستند التغطية الصحية الشاملة بصورة صارمة إلى دستور منظمة الصحة العالمية الصادر في عام 1948، والذي يعلن أن الصحة حق من حقوق الإنسان الأساسية، ويلتزم بضمان أعلى مستوى صحي ممكن للجميع.

 

يتطلب تحقيق التغطية الصحية الشاملة تعزيز النظم الصحية في العديد من البلدان. ويُعد التمويل الصحي من العناصر الهامة للتغطية الصحية الشاملة، حيث يلزم إيلاء الاهتمام لجمع أموال كافية، وتقليل المدفوعات المباشرة إلى أدنى حد ممكن عن طريق مخططات التسديد المسبق والتجميع، واستخدام الأموال المتاحة (التمويل المقدم من المتبرعين حسب الاقتضاء) بكفاءة وفعالية.

 

من المعلوم ، ان إشكالات في البنية والهيكلية حالت دون الموافقة سابقاً على اقتراح قانون البطاقة الصحية في ​لبنان​ بالشكل الذي قدِّم به، وبعد دراسة علمية واكتوارية شملت المرحلة الممتدة بين 2019 وحتى 2050، شرحها نائب رئيس الحكومة وزير الصحة العامة السابق ​غسان حاصباني​ أقرمشروع القانون.

 

البطاقة الصحية هو من بين ابرز الانجازات التي حققها الوزير حاصباني المفترض ان يتم ادراج مشروع القانون الخاص بها على جدول أعمال اول الجلسات التشريعيةبعدما أقرته لجنة الصحة العامة، ثم أحيل إلى لجنة الإدارة والعدل التي ناقشته وصادقت عليه علما ً ان تأمين التمويل له ظل نقطة الخلاف لا بل العقدة الى جانب تحديدمرجعية إدارة الإجراءات التنفيذية او الجهة المخوّلة استلام ادارته مما اقتضى برمي الكرة في ملعب الهيئة العامة .

 

لجهة التمويل، كشف رئيس لجنة الصحة النيابية الدكتور عاصم عراجي عن وجود طرحين لتمويل مشروع البطاقة الصحية، الأول عبر استيفاء مبلغ 100 دولار أميركي سنوياً من المستفيد الواحد، والثاني اقتطاع ما قيمته 8 في المائة من إيرادات الهاتف المحمول السنوية، يضاف إليها قيمة ​الموازنة​ السنوية المخصصة لوزارة الصحة، على أن توضع هذه الأموال في صندوق البطاقة الصحية . واشار إلى أن الرأي لم يستقر على أي من الخيارين، لذلك أحيل المشروع برمته إلى الهيئة العامة لمجلس النواب لإيجاد الحل المناسب وإقراره.

 

مع العلم انه كان ثمة اقتراح في ايجاد نص في أحد الموازنات يتيح لمجلس الوزراء إصدار مرسوم يؤمن التمويل المناسب بحسب الحاجة التي تترتب.

 

وفي ما يتعلق بالادارة الاطر التنظيمية تفرضأن تكون وزارة الصحة مسؤولة عن تنفيذ مشروع البطاقة الصحية، وهو سيفرض عليها مهام جديدة وأساسية، على صعيد التنظيم والرؤية وبناء نظام معلومات متطور، سيما وان المشروع سيغطي نفس شريحة المرضى الذين يعالجون الآن على نفقتها مع تطور جديد، هو أن المريض سيساهم بنسبة مئوية من قيمة البطاقة .

 

ضمن استراتيجية "صحة 2025" التي وضعها الوزير غسان حاصباني اتى تنظيم ​الرعاية الصحية​ الشاملة او ما يُعرف بالبطاقة الصحية. وبعدما تم ادخال تعديلات عدة على اقتراح القانون الذي طرحه رئيس لجنة الصحة النيابية النائب السابق عاطف مجدلاني، وبقي عالقاً لسنوات لأنه لحظ صندوقاً مستقلا جديداً يوازي ​الضمان الاجتماعي​.

 

تعديلات حاصباني اتت لتضع إدارة المشروع داخل الوزارة، معدلاً الخدمات للتناغم مع وجود جهات ضامنة متعددة، كالضمان وتعاونية موظفي الدولة والجيش والقوى الأمنية وغيرها، كما وتأمين قاعدة ملف صحي يستفيد منه الجميع. كذلك طوّر الاقتراح الخدمات المقدمة من وزارة الصحة لمن لا جهة ضامنة له.

 

من المفترض ان تشمل البطاقة كل الفئات العمرية، وهي وضعت ضمن حزمتين: الحزمة الشاملة وتضم كل اللبنانيين المضمونين وغير المضمونين، بمن فيهم العسكريون في الجيش والمؤسسات الأمنية، وأما الحزمة الثانية الإلزامية التي تشمل المواطنين غير المنتسبين إلى الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي.

 

ومن المعلوم أن وزارة الصحة بدأت بتطبيق المبادئ الاساسية لتعزيز الرعاية الصحية الأولية وتأمين التمويل لخمس سنوات من ​البنك الدولي​ .

 

 

اهمية البطاقة

 

يلحظ اقتراح القانون الخاص بالبطاقة الصحية تخفيض نسبة مساهمة المريض في فاتورة الاستشفاء من 15% الى 10% وتعفى من هذه المساهمة الفئات الأكثر فقراً وذوو الاحتياجات الخاصة وفئات اخرى تُحدد لاحقاً بمراسيم، كما من شأن هذا القانون ان يضبط الزيادة بكلفة الفاتورة الصحية على الدولة والمواطن. .

 

والبطاقة لا تُجدد، ولا تصبح خارج الخدمة إذ تدخل في سجل المواطن تماماً كبطاقة الهوية، وتتميز بأنها قد تشمل 4 ملايين لبناني، متضمنة تاريخهم الصحي، من دون الحاجة الى تقديم المريض تقارير طبية في كل مرة، ما يسهّل العلاج ويسرّعه.

 

هذا القانون ينظّم الملفات الصحية الرقمية للمواطنين بحيث سيكون هنالك بطاقة استشفائية للبنانيين جميعاً بغض النظر عن الجهة الضامنة لهم، كما يؤمن الولوج الى الرعاية الصحية الاولية لكافة المواطنين اللبنانيين لإجراء فحوصات سنوية وتحديث الملف الصحي.

 

التأمين الصحي​ الشامل او البطاقة الصحية عنوانان لهدف واحد رافق بعض الوزراء ، ومنهم وزير العمل السابق شربل نحّاس الذي تقدّم بمشروع قانون لتطبيق نظام موحد للتغطية الصحية يشمل كل المقيمين اللبنانيين يكون ممولا من الضرائب المباشرة على الثروة والدخل والريوع. إلّا أنه تم رفض المشروع من قبل جميع القوى السياسية التي اعتبرته التفافاًعلى مصالحها .

 

بحسب نحّاس، مهمة تأمين التغطية الصحية للمُقيمين في لبنان في المبدأ من مسؤولية الصندوق الوطني للضمان الإجتماعي، فيما تقتصر مهمة وزارة الصحة على مراقبة العمليات التي تحكم القطاع الصحي والإشراف على كيفية إدارة النظام الصحي، لافتا إلى أن غياب الإستراتيجيات سمح بتكريس الإستثناء وبالتالي أرسى واقع تكبيد وزارة الصحة أكلاف تغطية نفقات المرضى الذين لا يملكون أي تغطية صحية أخرى.

باختصار ، تعني التغطية الصحية الشاملة أن يحصل كل الناس على الخدمات الصحية التي يحتاجون إليها دون أن يتعرضوا لضائقة مالية عند سداد مقابلها. وينبغي تغطية المجموعة الكاملة من الخدمات الصحية الضرورية والجيدة، بما في ذلك تعزيز الصحة والوقاية والعلاج والتأهيل والرعاية الملطفة.

 

 

الصحة حق انساني

 

بمناسبة الذكرى السبعين لإنشاء منظمة الصحة العالمية ولصدور الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، أكد الدكتور تيدروس أدهانوم غيبريسوس، المدير العام لمنظمة الصحة العالمية:" أن كلاً من دستور المنظمة والإعلان العالمي لحقوق الإنسان يؤكدان أن الصحة حق إنساني، وليست امتيازًا لأولئك الذين يستطيعون تحمّل تكلفتها. ولكن علينا أن نتذكر أن الحقّ في الصحة ليس من المسلّمات. بل إنه يتطلب التزاماً سياسياً متجدداً وقيادة متجددة في كل جيل بما في ذلك جيلنا."

 

وأضاف قائلاً: "لطالما كان الحق في الصحة منصة للانطلاق نحو إجراء تحسينات صحية رئيسية في السبعين سنة الماضية. فعلى الصعيد العالمي، ازداد متوسط العمر المتوقع بمقدار 25 سنة. كما تم القضاء على الجدري وبات شلل الأطفال على شفا الاستئصال". ومع ذلك، حذّر الدكتور تيدروس من ظهور تهديدات صحية جديدة والحاجة إلى "التزام سياسي لا هوادة فيه" لتحقيق التغطية الصحية الشاملة وأهداف ​التنمية المستدامة​.

 

البطاقة الصحية هي اول الغيث للتغطية الصحية الشاملة المفترض تطبيقها في لبنان حيث يتطورقطاع الصحة ويصمد امام التحديات الكبيرة التي يواجهها جراء النزوح السوري، والشح في الموازنات والتقلص في تمويل الجهات الدولية عبر المنظمات المختلفة. و وفيما حقق لبنان المرتبة الاولى عربيا في اداء القطاع الصحي و32 عالميا هل يتفق المسؤولون فيه على منح المواطنين البطاقة الصحية ام هناك عراقيل وقطب مخفية ستفشل المشروع ؟.