خلال القمة العربية التي عقدت في بيروت، قال أمين عام جامعة الدول العربية أحمد أبو الغيط :"الثورة الصناعية الرابعة والتنمية المستدامة في سبيل اقتصاد عربي أكثر احتوائية" يُعد تعبيرًا جليًا عن الإدراك والوعي بالتحديات الكبيرة والمتلاحقة التي تواجه الاقتصاديات العربية. وهي تحديات تفرض على الدول العربية جميعا التضافر والتكاتف بإخلاص ودأب بهدف تطوير شراكاتها حتى تتمكن من مجابهة تلك التحديات والتغلب عليها. وتأتي في مقدمة هذه الشراكات، الشراكة بين الحكومات والقطاع الخاص.

 

وخلال مؤتمر "سيدر" الذي عقد من اجل لبنان في نيسان الفائت ، لفت وزير الاقتصاد والمال الفرنسي برونو لو مير إلى "أن الحكومة اللبنانية تعرف، وفرنسا تؤيد هذا التشخيص وبأن الوضع القائم لا يطاق، وهو يؤدي إلى تدهور البنى التحتية والخدمات العامة ومستوى التنمية الاقتصادية في البلاد. لذلك لا بد من الإصلاحات الهيكلية للنمو الاقتصادي وتصحيح المالية العامة وتعزيز قدرة البلاد على استقطاب عدد أكبر من المستثمرين والشركات الخاصة. هذه هي استراتيجية لبنان وهي تتناسب تماما مع ما نفعله اليوم في فرنسا. هذا الأمر سيسمح بتحسين مناخ الأعمال، وهذا مطلب لا بد منه: الشفافية في استدراج العروض، مكافحة الفساد والتحكيم الدولي، وهذا كفيل بأن يسمح بإطلاق عجلة الاقتصاد. ومع هذه الإصلاحات وتحديث إجراءات تنفيذ المشاريع سيتم تنفيذ أهداف البرنامج الاستثماري. وهذه الإصلاحات ضرورية لكي يتمكن القطاع الخاص من أن يكون مشاركا في هذه الاستثمارات."

 

كل المؤتمرات تتناول اهمية دور القطاع الخاص في التنمية وجذب الاستثمارات المحرّكة للنمو. الا ان هذا القطاع الذي عوّض غياب الدولة القصري منذ زمن له ، والمدعو اليوم الى المشاركة بكل زخم له مستحقات بذمة الدولة.

 

قد تكون الدولة زبوناً هاماً لشراء الخدمات المتنوعة،وتلزيم المشاريع من والى القطاع الخاص وهي صادقة لجهة تسديد الكلفة ، ولكن ذلك لا ينطبق على المهل والزمن وان صح قول "انها لا تضيع ".

 

وفي هذه المرحلة ، قطاع الاعمال الذي يترقب بكل شغف انطلاقة الدورة الاقتصادية بحاجة الى بنية تحتية وإنشاءات جديدة تتكيّف مع الثورة الصناعية والرقمية . وقطاع المقاولات والبناء من اركان القطاع الخاص في لبنان الذي يعتمد عليه في عملية النهوض.

 

الا انه قطاع مطلوب منه الحضور الكامل في المرحلة المقبلة فيما ان معاناته تكمنفي غياب التدفق النقدي اللازم لتحصين جهوزيته، و مستحقاته مع الدولة تسجل المزيد من التراكم حيث مع نهاية العام المنصرم، قررت الجمعية العمومية لنقابة مقاولي الأشغال العامة والبناء التي عقدت برئاسة المهندس مارون الحلورفع توصية الى رئاسة الحكومة لتعميمها على الادارات العامة، وهي تقضي ب :

 

1-عدم عرض مناقصات مشاريع جديدة ممّولة محلياً قبل استيفاء المستحقات المتراكمة للمقاولين.

2- تعليق المهل للمشاريع التي هي قيد التنفيذ والممّولة محلياً الى حين البتّ بالمستحقات القديمة للمقاولين من الدولة.

3- الايعاز الى المصارف بمراعاة وضع المتعهدين والتوقف عن ممارسة الضغوط عليهم لتسديد ديون لم يتقاضوها.

معظم المشاريع التي أقرت في مؤتمر "سيدر" تمويلها من الخارج بالمبدأ . ولكن التلزيم سيمّر عبر الدولة . هل إن قطاع المقاولات جاهز اليوم للدخول بمشاريع جديدة بعد القرار الصعب الذي اتخذته الجمعية العمومية مؤخراً ؟ وهل ان المسؤولين قد استوعبوا ظروف ومشاكل القطاع ؟

الحلو

يؤكد رئيس نقابةمقاولي الأشغال العامة والنقل المهندس مارون الحلو "للاقتصاد "ان المقاولين ملتزمون بعدم المشاركة في اي مناقصات جديدة لمشاريع ممّولة محليا ما لم يتم تسديد كامل المستحقات السابقة. ونتمنى ان تتم حلحلة الامور في القريب العاجل .

 

ويكشف عن اجتماعين للنقابة عقدتهما مع كل من وزير المال في حكومة تصريف الاعمال حسن علي خليل و حاكم مصرف لبنان رياض سلامة حيث تم التطرق الى موضوع الديون ، والتي هي قديمة وتعود في قسم كبير الى ال10 سنوات الاخيرة ،وهي بقيمة 130مليار ليرة ، وتتضمن فروقات اسعار ، مصالحات، و مرتبطة بمشاريع ممّولة محليا.

 

ويقول :كنا نتمنى لو استطاعت الدولة إدراجها في الموازنات ، ولكن هذا لم يحصل ما زاد الأمور تعقيداً. طرحنا تقديم اقتراح مشروع قانون خاص موقع من 10 نواب لإصدار سندات خزينة بهذا الشأن وتسديد المستحقات ، الا ان رئيس الحكومة سعد الحريري طمأننا ان الامور ستعالج بقرار من مجلس الوزراء فور تشكيل الحكومة ، ولا حاجة بالتالي الى اصدارقانون في مجلس النواب بهذا الشأن.

 

ويتابع الحلو : الوزير خليل اعطى النقابة وعداً بتسديد المستحقات الجديدة قريبا، بعدما وقّع على إحالات الصرف العائدة لشهري آيار وحزيران الى مجلس الانماء والاعمار ليقوم بدوره بتسديدها للمقاولين .كما انه سيوّقع على إحالات اشهر تموز وآب وايلول قريباً.

وهذه الاجراءات،إن سرت الامور على ما يرام ستكون بمثابة جرعة اوكسيجين للمقاولين والمتعهدين ، سيما وان المصارف تتحفظ عن إعطاء القروض المطلوبة للمقاول لإرتباطها بتوظيف اموالها في مصرف لبنان الذي يؤمن لها الفوائد المرتفعة .

اما بالنسبة لحاكم " المركزي " فقد ابدى تفهّمه لوضع المقاول مؤكداً ان الوضع استثنائي في المنطقة ككل ولبنان خصوصاً. ويرى ان الانفراج السياسي سينسحب على كل القطاعات الاقتصادية . ومساعدة " المركزي " محصورة بقطاعات محددة بعيدة عن المهن الحرة التزاماً بتوصيات المراجع الدولية . كما لفت سلامة الى رزمة ال 500مليون الدولار التي سيضعها مصرف لبنان في السوق من اجل إعادة العمل بالقروض السكنية .

وأمل الحلو ان يتحسن الوضع الاقتصادي ما يسمح بإنطلاقة الدورة الاقتصادية من جديد ، فتتراجع الفوائد في السوق وتعود المصارف الى منظومة تأمين القروض.

ويعتبر الحلو ان مصرف لبنان يقوم بتدابير كفيلة بحماية الليرة اللبنانية. وللدولة اولوية في تأمين رواتب موظفي القطاع العام المدفوعة بالليرة، ولكن هذا الموضوع اضحى سيفاً ذو حدين لإنه في المقابل يو قف المشاريع التي هي بحاجة الى التمويل .

مشاريع الشراكة

من المعلوم ، انه تم تحديد مشاريع البنى التحتية المؤهلة للشراكة بين القطاعين العام والخاص في مؤتمر "سيدر"وكان من ابرزها:

أ- توسيع مطار رفيق الحريري الدولي

ب- تأهيل وتوسيع مطار رينه معوض في محافظة عكار.

ت- وانشاء الطريق السريع بين خلدة ونهر ابراهيم على طول 38 كلم منها 12 كلم انفاق.

ث- انشاء مرفق جونيه السياحي.

ج- انشاء ​مرفأ​ جديد في صيدا.

ح-انشاء سد في نهر البارد في شمال لبنان، وسد اخر في عين داره وسد وبحيرة مزرعة الشوف.

خ-مشروعي معامل الزهراني وسلعاتا لتوليد الطاقة.

د-انشاء المركز الوطني للمعلومات National Data Center

ذ-مشروع المنطقة الاقتصادية الخاصة في ​طرابلس​

بالإضافة الى مشاريع عدة في الصرف الصحي ومعالجة النفايات الصلبة وتحويلها الى طاقة".

وقدر مجموع كلفة هذه المشاريع ب 6 مليار و578 ​مليون دولار اميركي​. وهذا الرقم كبير. ولا بد للقطاع العام من اشراك القطاع الخاص و​المصارف​ والصناديق في التمويل .

باختصار، قطاع المقاولات هو كلمة السر في تعافي الاقتصاد. والقول المأثور :

Quand le batiment va tout va

يصحّ بامتياز لانه بدوره يشغّل قطاعات أخرى . فهل ستكون الحاجة اليه مدخلاً لايفائه ديونه لدى الدولة العاجزة عن امور كثيرة؟