شهدت ​النروج​ الشهر الماضي اكبر مناورة عسكرية لحلف شمالي الاطلسي منذ ايام ​الحرب الباردة​ ، والاولى من نوعها في منطقة ​القطب الشمالي​ ، بجوار ​روسيا​ ، التي ردت بالتزامن بتجارب صاروخية استراتيجية ، علما انها كانت قد أجرت في ايلول سبتمبر مناورة كبيرة وصفت بانها الاضخم منذ ايام الحرب الباردة.

 

السؤال الذي يشغل المراقبين خلال هذه الفترة هو لماذا هذا الاندفاع العسكري في منطقة المحيط المتجمد الشمالي، ومشاركة كل الدول المشاطئة له، في هذا التصعيد، وهي تحديدا: روسيا و​الولايات المتحدة​ و​كندا​ والدانمارك والنروج، فالمعروف ان النشاط الانساني هناك كان معدوما طوال قرون، وبدأ خجولا في القرن العشرين بارسال الدول المعنية ، وخصوصا روسيا ، ببعثات استكشاف بيئية ومناخية .

 

يقع المحيط المتجمد الشمالي موضع النزاع المستجد في أقصى الشمال الجغرافي، حيث يحتل معظم مساحة الدائرة القطبية الشمالية التي يلامس محيطها مع حدود خمس دول متفرقة تتبع ثلاث قارات مختلفة، هي روسيا من ​آسيا​، والنروج والدانمارك من ​أوروبا​، والولايات المتحدة وكندا من ​أميركا​ الشمالية.

 

ويتشكل هذا المحيط من رقعة جليدية غير منتظمة الشكل، تتمركز حول القطب الشمالي وتتفاوت مساحتها ومقدار اتساعها من عام لآخر ومن فصل لآخر، بسبب حالة الذوبان والتجمد الذي تتعرض له بفعل تغير درجة الحرارة عبر فصول السنة. وبطبيعة الحال فإن الظروف المناخية السائدة في تلك المنطقة لا تسمح إلا بتكون أنماط قليلة من أشكال الحياة سواء كانت بشرية أو برية.

 

فما وجه الصراع إذا على تلك البقعة الجليدية الموحشة؟ وما هي عناصر الجذب فيها؟

 

الجواب يعود إلى ظاهرة الانحباس الحراري وتداعياتها المحتملة، فاحترار الأرض والتسخين الناتج عن هذه الظاهرة أدى إلى ذوبان كتل جليدية كبيرة من ذلك المحيط، ما أدى إلى تقلص حجمها بشكل كبير وبوتيرة متسارعة يتوقع معها بعض العلماء أن تزول تماماً في السنوات المقبلة ،اذا استمرت وتفاقمت هذه الظاهرة .

وبالاضافة الى الآثار البيئية المصاحبة لذلك فمن المتوقع أن تقود هذه الظاهرة إلى نتيجتين هامتين للغاية على الصعيد الاقتصادي، ومن شأنهما إثارة حساسيات كثيرة بين دول المنطقة.

الأولى هي إمكانية ظهور طرق ملاحية جديدة في المنطقة، وأهمها الممر الملاحي بين الشمال والغرب والذي يمثل أهمية إستراتيجية كبيرة، إذ يتيح الربط بين آسيا وأوروبا من أقصر الطرق. هذا الممر لم يكن ممكناً استخدامه ملاحياً من قبل بسبب تجمده الدائم، لكن في السنوات القليلة الماضية بدأت مساحات كبيرة من الجليد الكائن به في الاضمحلال والتلاشي، وبدرجة أصبح معها الإبحار خلاله ممكناً.

وبالفعل اقامت روسيا ممرا بحريا تجريبيا في المحيط ، وقد نجحت اول سفينة تجارية بعبوره من دون مساعدة كاسحات الجليد، وهي سفينة دنماركية تحمل اسم "فينتا مارسك"، انطلقت نهاية ىب اغسطس من مدينة فلادفوستوك الروسية ، وتحمل 3600 حاوية، ووصلت إلى سانت بطرسبيرغ في نهاية شهر أيلول سبتمبر.

وتعمل الان شركة "مارسك " مالكة السفينة على جمع بيانات حول الطريق البحري الشمالي لمعرفة ما اذا كان ذوبان الجليد في البحر المتجمد الشمالي سيساهم في توفير خط نقل بحري دائم منخفض الكلفة، في المستقبل القريب.

تجدر الاشارة الى أن ظهور طرق ملاحية جديدة في منطقة القطب الشمالي وبخاصة ممر الشمال الغربي الواصل بين آسيا وأوروبا، سيحرم ​قناة السويس​ وبعض الموانئ العربية في ​البحر الأحمر​ من بعض العوائد المادية والأرباح بسبب تحول جزء كبير من قوافل الشمال البحرية عن استخدام القناة في العبور إلى آسيا والمحيط الهندي عبر البحر الأحمر، وهذا سيتسبب في بعض الخسائر الاقتصادية والتجارية لبعض ​الدول العربية​ خاصة مصر واليمن و​السعودية​.

النتيجة الثانية لذوبان الجليد ، وهي الاهم ، اكتشاف مساحات متزايدة من قيعان المحيط المتجمد ما سيسهل كثيرا إمكانية استكشاف واستخراج الثروات البترولية والمعدنية الواعدة به، وهو أمر لم يكن ممكنا في ظل وجود ذلك الغطاء الجليدي الكثيف، وفي ظل وجود مصاعب تقنية تعيق عمليات التنقيب والاستكشاف المطلوبة.

حتى العام الماضي كان الحديث عن وجود ثروات هائلة من ​النفط​ و​الغاز​ والماس والثروات المعدنية الأخرى تقبع تحت القشرة الجليدية لذلك المحيط المتجمد، مجرد تكهنات وتقديرات فقط وكانت روسيا هي الدولة الوحيدة التي تستكشف تلك المنطقة، وقد اعلن الرئيس الروسي فلاديمير ​بوتين​ العام الماضي حصة بلاده من الثروات الدفينة لمنطقة القطب الشمالي، وهي:

2.8 تريليون متر مكعب من الغاز في أعماق بحر بارنتس. وتشكل الاحتياطيات المؤكدة من الغاز في المنطقة حوالى 80% من الغاز في سائر روسيا.

90% من احتياطيات النفط والغاز القابلة للاستخراج في الجرف القاري، 70% في بارنتس وبحر كارا.

حجم الهيدروكربونات المقدرة في الجزء العميق من المحيط المتجمد الشمالي 15-20 مليار طن من الوقود المكافئ (وحدة طاقة).

40% من ​الذهب​ ، 60% من النفط ، 60% إلى 90% من الغاز، 90% من الكروم والمرغنيز، 47% من المعادن البلاتينية ،الألماس النقي بنحو 100%، 90% النيكل والكوبالت ، 60% من النحاس والنفط، بقيمة احتياط إجمالية حوالي 1.5-2 تريليون دولار

الموارد المعدنية الموجودة في باطن الأرض في منطقة القطب الشمالي 30 تريليون دولار، ثلثاها موارد طاقة .

موارد القطب الشمالي تسهم بـ 11% من الدخل القومي، و22% من حجم الصادرات الروسية.

بالاجمال يقدر الخبراء الغربيون ان منطقة القطب الشمالي تحوي على 25 في المئة من احتايط النفط العالمي غير المستثمر ، و30 في المئة من احتايطي الغاز .

 

صحيح ان بوتين ارفق هذا العرض بالدعوة الى شراكة واسعة مع الدول الأخرى من أجل تنفيذ مشاريع كبيرة ذات منفعة متبادلة ، الا ان ​موسكو​ سارعت الى حشد قواتها العسكرية الضخمة في المنطقة ، الامر الذي فسره الغرب على انه استباق روسي لافتتاح الطرق الملاحية الجديدة ومحاولة السيطرة على المنطقة من خلال إعادة رسم خرائطها. فوجدت الدول القطبية الاخرى نفسها فجأةً أمام نزاع دولي جديد على الثروة الهائلة ، وعلى نفوذ إستراتيجي يتطلب تثبيته والحفاظ عليه حشد الجيوش الاطلسية في مواجهة روسيا.

ومن الاعتبارات الأخرى التي لا يمكن تجاهلها في البحث عن أسباب احتدام النزاع بين دول المنطقة، تواصل ارتفاع أسعار النفط عالمياً، وقرب نفاذ احتياطياته العالمية، وغموض مستقبل الطاقة العالمي، وهذا يعني أن نجاح أي من تلك الدول في القبض على نفط وثروات الشمال، سيعزز وبقوة من إمكانياتها ومن موقفها الإستراتيجي والاقتصادي المستقبلي، إقليميا وعالمياً.

لب القضية والمعضلة الأساسية وراء احتدام هذا النزاع، هو خلاف الأطراف المعنية حول من له الأحقية بالسيطرة على منابع تلك الثروة وضمن أي مجال سيادي يجب أن تؤول إليه ملكية قيعان المحيط المتجمد الشمالي، والممرات الملاحية المنتظر تكشفها خلال السنوات القادمة.

في ما يخص الممر الملاحي بين الشمال والغرب، ترى كندا مثلاً أنها الأحق بالسيادة على ملكيته وإدارته، وأنها الدولة الوحيدة المخول لها منع المرور به، وهذا من واقع أنه يمر بأراضيها وعبر سواحلها الممتدة. بيد أن الولايات المتحدة و​الاتحاد الأوروبي​ يعارضان هذا، مرتكزين في ذلك على أن الطريق الجديد ينبغي أن يكون طريقاً دولياً حراً.

أما في ما يخص النزاع على ملكية ثروات المحيط المتجمد، فالأمر يبدو أكثر تشابكاً وأكثر سخونة لتعدد الأطراف المتداخلة فيه، ولارتباطه بإشكالية قانونية معقدة تتعلق بتطبيق اتفاقية ​الأمم المتحدة​ لقانون البحار أو ما يعرف بقانون البحار الدولي، وهو المعني بترسيم الحدود البحرية بين الدول وتحديد امتداد المياه الإقليمية وأماكن الاستغلال الاقتصادي أمام السواحل والبحار المطلة عليها.

المقلق ان هذا الحوار لا يجري تماما داخل الامم المتحدة وانما عبر حشد الجيوش واجراء المناورات الضخمة ، ومع هذا التسابق يمكن القول معها إن ما يدور حالياً في منطقة القطب الشمالي حرب باردة جديدة وإن كانت لا تزال في مهدها.

لقد دار صراع طويل ومرير ، لا يزال مستمرا حتى اليوم ، على ​الشرق الاوسط​ الخزان الرئيسي للنفط في العالم ، ومن المرجح ان تنتقل العدوى الى مكان آخر ، ليغدو مسرحا جديدا للنزاع النفطي ، ومن غير المستغرب ان يقول الخبراء اللمتابعون ان الشرق الاوسط الجديد سيكون في القطب الشمالي للكرة الارضية.