تعيش مصر أزمة إقتصادية دفعتها إلى طلب المُساعدة من صندوق النقد الدولي الذي قام بتأمين دعم مالي مُقابل شروط جمّة على رأسها تحرير الجنيه المصري ورفع الدعم عن المحروقات والمواد الغذائية وزيادة الضرائب. وعلى الرغم من هذا الدعم المالي الذي يبلغ 12 مليار دولار أميركي والذي عزّز الإحتياطي الأجنبي من العملات، إلا أن الجنيه المصري ما يزال يفقد من قيمته مُسبّبًا أزمة إجتماعية.

لم تُحقّق الثورة المصرية الأولى التي أطاحت بالرئيس المصري السابق حسني مبارك في شباط 2011 ولا الثورة المصرية الثانية التي أطاحت بالرئيس محمد مرسي في تموز 2013، أهدافها المنشودة. فالشعب المصري كان ولا يزال يطمح إلى عيشة كريمة يؤمّن من خلالها الإقتصاد المصري عمل للشباب المصري وقدرة شرائية تسمح لهم بشراء حاجاتهم الأساسية مثل القمح والأرز واللحوم... وغيرها.

وصول الرئيس السيسي إلى سدّة الرئاسة أعطى الكثير من الآمال للشعب المصري، فقد قام بالعديد من الخطوات بهدف دعم الإقتصاد المصري وعلى رأسها مشروع تطوير قناة السويس وعدد من المشاريع الضخمة التي قد تؤمّن لمصر مداخيل بالعملة الأجنبية كتدعيم السياحة ومشروع التنقيب عن النفط والغاز، والذي ضمّ 32 إتفاقية تمَّ التوقيع عليها. أيضًا هناك مشروعاً لم يُقرّ بعد والذي يقضي بتصدير الغاز الإسرائيلي إلى مصنع تسييل الغاز في دمياط في مصر.

إلا أنه وعلى الرغم من كل هذه الخطوات ما زالت الأوضاع الإقتصادية والإجتماعية في مصر صعبة. فقد بلغ التضخمّ في مصر في آب 2017، 31.9% ليبدأ مرحلة إنخفاض إلى 11.4% في أيار 2018 ليعاود إرتفاعه إلى 13.5% في حزيران 2018، ولم يُساعد إرتفاع أسعار النفط في تخفيف هذا التضخمّ. ومع أجر شهري بقيمة 1000 جنيه مصري شهريًا (هذا أجر مُرتفع في مصر)، لا يستطيع المواطن المصري إكفاء حاجاته من الأكل (كيلو اللحم ما بين 120 و240 جنيه، الدواجن ما بين 27 و45، بطاطس 0.8 ، طماطم 0.9 ، الليمون 2، أرز 1.2، عدس 4، فول 2.6...). لذا يضطرّ العديد من الشباب إلى الهجرة إلى البلدان العربية للعمل في الخارج حيث نجد 10 مليون مصري يعملون خارج مصر على 31 مليون عامل مصري (نصفهم يعملون في المملكة العربية السعودية). وبلغت قيمة الأموال التي أرسلوها إلى ذويهم في العام 2016، 16.6 مليار دولار أميركي و20 مليار دولار في العام 2017.

الإقتصاد المصري إقتصاد ضخمّ مع ناتج محلّي إجمالي 237مليار في العام 2017، مما يؤمّن مدخول فردي بقيمة 2500 دولار أميركي. ويأتي لتضخم ليقضمّ النمو الإقتصادي البالغ 5% (التضخمّ المُتوقّع في العام 2018 هو 15%) ومعه القدرة الشرائية للمواطن. وتتوزّع اليد العاملة المصرية في مصر على القطاع الزراعي (بنسبة 29%)، الصناعة (23.5%) والخدمات (47.5%)، إلا أن المدخول المُنخفض للمواطن المصري آدّى إلى وقوع ما لا يقلّ عن 28% من الشعب المصري تحت عتبة الفقر.

السوق المصري سوق إستهلاكي بإمتياز مع أكثر من 85 مليون مصري. إلا أن الماكينة الإقتصادية المصرية لا تؤمّن حاجات هذا السوق خصوصًا الأكل والمحروقات، لذا تضطرّ الشركات المصرية إلى إستيراد الأكل والمحروقات والماكينات والمواد الكيماوية، والخشب من دول مثل الصين، وألمانيا، والولايات المُتحدة الأميركية، وإيطاليا، وتركيا والمملكة العربية السعودية. أما صادراتها فتطال الألبسة، والترابة، والهيدروكاربونات والأدوية إلى الإمارات العربية المُتحدة، المملكة العربية السعودية، إيطاليا، تركيا، بريطانيا والولايات المُتحدة الأميركية.

ويؤمّن الإقتصاد المصري مدخول بقيمة 58 مليار دولار أميركي للحكومة المصرية مقارنة بإنفاق عام يبلغ 82 مليار دولار أميركي. هذا الأمر فرض دين عام بنسبة 102% من الناتج المحلّي الإجمالي (77 مليار د.أ من هذا الدين خارجي بالعملات الصعبة!).

هذا الواقع الآليم جعل العملة المصرية عرضة لضغوطات كبيرة خصوصًا بعد تعويم الجنيه المصري (تحرير سعر الصرف) مما جعل القطاع السياحي المصري أساسي للعملة بحكم أن هذا القطاع يؤمّن 13 مليار دولار أميركي سنويًا من العملات الصعبة.

تخبّط العملة المصرية أسبابه بنيوية تتمثّل بتضخم أقلّ ما يُقال أنه آفة الإقتصاد، وقد كان التضخمّ أحد أهم أسباب الثورة المصرية ضد حكم مبارك والإخوان. وتُظهر التحاليل إلى أن الإنخفاض الذي شهده التضخمّ هو نتاج إنخفاض الطلب ولكن أيضًا نتاج دعم صندوق النقد الدولي. لكن هذا الإنخفاض لم يُغيّر في هيكلية التضخم المُتعلّقة بشكل رئيسي بأسعار المواد الغذائية وبأسعار المحروقات.

هذا الأمر دفع ميزان المدفوعات إلى تسجيل عجز وصل في بعض الأحيان إلى عشرة مليارات دولار أميركي. العجز آتى بشكل أساسي من غياب السواح وهروب رؤوس الأموال الأجنبية كما ودفع مستحقات سندات الخزينة إلى الدائنين الأجانب مما ألزم المصرف المركزي المصري إلى إستعمال قسم كبير من إحتياطه بالعملات الأجنبية للدفاع عن الجنيه المصري حيث إنخفض الإحتياط من 36 مليار دولار إلى 13.5 مليار دولار في ظرف سنتين.

قام الرئيس السابق محمد مرسي بطلب المُساعدة من صندوق النقد الدولي تحت وطأة عجز موازنة بلغ 23 مليار د.أ في العام 2012. الخطة الصندوقية لمصر تمثّلت بثلاثة إجراءات: خفض المساعدات إلى الشعب، رفع الضرائب وتحرير سعر صرف الجنيه. لكن مرسي رفض هذا الأمر لما لرفع الضرائب ووقف الدعم من وقع إجتماعي سلبي. إلا أن الرئيس السيسي مضى قدمًا وبدأ بتفيذ مطالب صندوق النقد الدولي، وفي المقابل أتته الموافقة من صندوق النقد الدولي لدعم بقيمة 12 مليار دولار أميركي على شكل قروض بفوائد مُخفّضة. هذا الأمر رفع من قيمة الإحتياط المصري من العملات الأجنبية حتى وصل إلى 44 مليار دولار أميركي بحلول حزيران 2018. الجدير ذكره أن قطر، السعودية، الكويت وليبيا كانت قد أقرضت مصر مبالغ بحدود الـ 10 مليار دولار لكنها لم تستطع تلبية حاجة مصر الملحة إلى السيولة.

وعلى الرغم من هذا الدعم والذي نتج عنه فائض في ميزان المدفوعات وإرتفاع الإحتياط من العملات الأجنبية، أخذت العملة المصرية بالتدهور منذ نيسان الماضي وحتى اليوم. ويعود السبب بالدرجة الأولى إلى غياب إصلاحات إقتصادية وإدارية كافية لجذب ثقة المُستثمرين. فالفساد المُستشري يحجب ثقة المُستثمرين الوحدين القادرين على دعم الإقتصاد المصري بالعملة الصعبة خصوصًا أن القروض التي أعطاها صندوق النقد الدولي إلى مصر هي قروض قصيرة الآمد. أما فيما يخص الإصلاحات الإقتصادية، فنرى أنه يتوجّب على الحكومة المصرية الإستفادة من الثقة التي تعقدها الأسواق المالية على إعادة إنتخاب السيسي (ثبات سياسي وأمني) للقيام بتغييرات هيكلية في الإقتصاد لناحية تخفيف التعلّق بالخارج فيما يخص الأكل والمحروقات. لكن هذا الأمر يتطلّب إستثمارات هائلة يصعب القول الأن كيف لمصر أن تستحصل عليها. وحتى ذلك الوقت نرى أن مصر بحاجة إلى دولارات من أي جهة أتت لمنع تدهور عملتها.