سجلت ​الليرة التركية​، يوم الأحد، أدنى مستوى لها أمام ​الدولار​ منذ عام 2001، وذلك في ظل استمرار أزمة انهيار العملة، التي يعتبر الخبراء أنها تعود إلى سياسات الرئيس التركي ​رجب طيب أردوغان​. ويأتي هذا التراجع أيضا، بعد انهيار كارثي للعملة التركية أمام الدولار، يوم الجمعة الماضي، حين فقدت 20% من قيمتها.

 

وقد خسرت الليرة التركية 41% من قيمتها منذ بداية العام 2018، وذلك نتيجة لعوامل سياسية عدة، أهمها موقف ​تركيا​ من قطر، وقضية القس الأميركي الذي يحاكم في تركيا بتهم تتعلق بالتجسس و​الإرهاب​، والتي تطورت إلى عقوبات وتجاذبات حادة بين الدولتين. بالاضافة أخيرا الى الضغوط التي يمارسها أردوغان على البنك المركزي لعدم رفع أسعار الفائدة، والتعديلات الدستورية التي قلّصت من إستقلالية ​السياسة النقدية​ وجعلتها رهينة القرار السياسي.

 

وفي حين، يسعى أردوغان الى خفض تكلفة الائتمان من البنوك بهدف تحفيز ال​اقتصاد​، يتخوف المستثمرون في المقابل، من أن يشهد الاقتصاد نشاطا محموما، قد يؤدي الى انهياره بشكل حاد.

 

من جهة أخرى، دخلت الحزمة الأولى من ​​العقوبات​​ على ​​إيران​​، يوم الثلاثاء الماضي، حيّز التنفيذ، على أن تطبّق الحزمة الثانية في تشرين الثاني القادم. وكشفت مؤشرات وتقارير دولية أن أياما صعبة تنتظر الشعب ال​ايران​ي، وذلك بسبب التداعيات السلبية التي ستنتج عن العقوبات، والتي من المتوقع أن تطال جوانب عدة من حياة المواطنين، اقتصاديا واجتماعيا أيضا.

 

فالوضع الاقتصادي المتدهور بالأساس، من المتوقع أن يزداد سوءا مع مرور الأيام، كما أن الاقتصاد المحلي يسير نحو الهاوية خاصة مع التدهور التاريخي الذي تشهده العملة المحلية، بعد أن فقدت أكثر من 80% من قيمتها منذ شهر نيسان الماضي. وبالاضافة الى ذلك، ستتراجع نسب النمو، وسترتفع ​البطالة​، خاصة مع سحب ​الشركات العالمية​ لاستثماراتها من السوق الايرانية، خوفا من حالة عدم الاستقرار السائدة في البلاد.

 

وفي حين حذر البعض من أن تأثير هذه العقوبات يمكن أن يمتد إلى بقية دول ​الشرق الأوسط​، يرى عدد كبير من الخبراء أن العلاقات الاقتصادية والتجارية والمالية اللبنانية – الإيرانية لم تتطور منذ الاتفاق ​النووي​، وبالتالي ستكون للعقوبات تأثيرات محدودة جدا على اقتصادنا المحلي. كما أن البعض يحذر من سير لبنان على خطى "انهيار العملة"، مثلما حصل في إيران وتركيا، خاصة مع استمرار التأخير في تشكيل الحكومة، بينما يطمئن البعض الآخر من أن وضع لبنان مختلف، ولا خوف على الليرة في ظل السياسات التي يتبعها ​مصر​ف لبنان، أضف الى ذلك أن المقارنة بين لبنان وغيره من الدول لا تصح، بسبب اختلاف الظروف الاستراتيجية والسياسية والاقتصادية.

 

وقد أشار الخبير المالي والاقتصادي د. كمال حمدان في حديث خاص لـ"الاقتصاد" الى أن لبنان لن يتأثر، على المدى القريب، بالعقوبات الأميركية على إيران، وذلك بسبب حجم التبادل التجاري بين البلدين، والذي لا يتجاوز عتبة الـ1% من مجموع تبادلاتنا؛ فعندما يكون حجم التبادل بين البلدين، ضعيف الى هذا الحد، من الطبيعي أن لا تؤثر حالة عدم الاستقرار الاقتصادي في إيران، على الوضع في لبنان.

 

ولفت الى أنه من الممكن أن يتأثر لبنان الى حد ما، من ناحية تبادل الخدمات، مثل ​السياحة​ المتبادلة؛ وبالتالي قد يصبح من الصعب على الزائر الايراني القدوم الى لبنان لشراء خدماته السياحية، بسبب انهيار عملته، وتدهور حالته المعيشية. مضيفا أن السياحة الايرانية بغالبيتها، هي ذات طابع ديني، وبالتالي لن تؤثر كثيرا على مجموع مبادلاتنا الخدماتية السياحية.

وقال "من الناحية المحلية، قد يتأثر اقتصاد العلاقة بين ايران وحزب الله، في ما يتعلق بالدعم المادي".

 

 

لبنان لن يتأثر بالعقوبات على إيران بسبب حجم التبادل التجاري الذي لا يتجاوز الـ1%

 

وعما إذا كانت التأثيرات ستبقى محدودة عند البدء ب​المرحلة الثانية​ من العقوبات، أوضح د. حمدان أن المرحلة الثانية للعقوبات تتضمن بشكل أساسي منع ال​صادرات النفط​ية الايرانية وإخضاعها للعقوبات، لكن الأمر لكن يكون بهذه السهولة بالنسبة الى الإدارة الأميركية، لأن تركيا - وهي عضو في ​الناتو​ وحليفة للولايات المتحدة - سارعت الى الإعلان أنها لن تلتزم بالعقوبات الأميركية على صادرات النفط و​الغاز​ الايرانية؛ اذ خلال الأشهر الأربعة الأولى من 2018، استوردت تركيا حوالي 3.1 مليون طن من النفط الخام من إيران، ما يعني 55% من احتياجاتها النفطية، كما أن 13% من واردات تركيا من الغاز مصدرها إيران أيضا.

 

وأكد على "أن إيران ستهدد بسقف أعلى من الردود ضد محاولة وضع اليد الأميركية على اقتصادها، ومن هنا أقول أن لبنان سيتأثر من ناحية ما، بالمرحلة الثانية؛ اذ أن فرض العقوبات على ​تصدير النفط​ و​الغاز الايراني​، قد ينتج عنه فوضى في سوق النفط، وارتفاع في أسعار النفط العالمية والتأمينات، خاصة اذا تزامن ذلك مع تهديدات ايرانية مضادة. ولبنان هو بلد مستورد للنفط، وبالتالي قد تزداد فاتورة ​المحروقات​".

 

وفي سؤال حول إمكانية تكرار سيناريو انهيار العملات في لبنان، أكد أنه في المعطيات الماكرو- اقتصادية، من المفترض أن يكون لبنان، تاريخيا، أول البلدان المعرضة لعدم الاستقرار النقدي، لكن المظلة الدولية وصمامات الأمان الموجودة، ومنها ​التحويلات​ القادمة من الخارج، تمنع وتؤجل هذا الانهيار.

 

وقال د. حمدان "أن هناك نوع من الحرص الإقليمي والدولي على إبقاء لبنان تحت مظلة الاستقرار النقدي، لكن هذا الواقع قد لا يدوم لفترة طويلة".

 

 

هناك حرص إقليمي ودولي على إبقاء لبنان تحت مظلة الاستقرار النقدي

 

كما لفت الى أن الفوضى التي تغذيها سياسات الرئيس الأميركي ​دونالد ترامب​، والتي تمس بالمرتكزات الأساسية لمجمل النظام الاقتصادي الدولي بعد السبعينيات، القائم على أساس تحرير المبادلات التجارية و​الأصول​ الجمركية من أي عقبات كمية، تعيد النظر في الواقع، بمجمل النظام الاقتصادي الدولي، وبالتالي فإن تأثيرات هذا الأمر غير محصورة بإيران وتركيا فقط، بل تشمل أيضا ​أوروبا​ و​الصين​ و​المكسيك​.

 

ومن هنا توقع د. حمدان أن تضع هذه السياسات العشوائية العالم ككل، أمام تحولات بنيوية تثير الشكوك حول مستقبل استقرار منظومة العلاقات الاقتصادية الدولية. ففي السنوات القليلة الماضية، تعرضت أكبر دول منطقة شرق الأوسط، أي مصر و​العراق​ وتركيا وإيران، الى انخفاضات كبيرة في أسعار عملاتها. وهذه المنطقة بالذات تعدّ "الخاصرة المترهلة" بالنسبة الى المناطق العالمية، وهي تعتبر عنوانا لـ"الكباش" الحاصل على المستوى الدولي، بين الولايات المتحدة من جهة وخصومها بنسب متفاوتة من جهة أخرى. وكأن المعركة هي معركة الانتقال من عالم أحادي تسيطر عليه الولايات المتحدة، الى عالم متعدد الأقطاب، وكأن إحدى معاركه الأساسية تحدث في منطقة الشرق الأوسط وتأخذ أشكالا مختلفة، بما في ذلك، ما تشهده الدول الكبرى في المنطقة مثل العراق وإيران وتركيا، فضلا عن سوريا، من تحولات بما في ذلك عدم استقرار سعر العملات.