شهد الاسبوع المنصرم تطورات كبيرة على الساحة ​الاردن​ية، فبعد انفجار الوضع في البلاد وانطلاق التظاهرات وال​احتجاجات​ واقالة حكومة وتشكيل حكومة جديدة جاءت قمة مكة الرباعية لمساعدة الاردن اقتصاديا في خطوة اثمرت عن 2.5 مليار دولار للمملكة  لمساعدة البلاد الذي ذاق شعبها ذرعا من انخفاض مستوى المعيشة و​الفقر​ وتآكل مستوى الدخل نتيجة زيادة الاسعار.

ويعلق الشعب الاردني على قمة مكة وحكومة الرزاز الجديدة امالا كبيرة ، لتبقى الايام المقبلة كفيلة باظهار النهج التي ستتبعه هذه الحكومة على امل ان تكون نقطة تحول كبيرة في تاريخ الاردن خاصة في ظل ما تتعرض له البلاد من ضغوط دولية واقليمية.

 

وفي هذا الاطار وللوقوف عند التطورات التي شهدها الاردن في الفترة الاخيرة واهمية انعقاد القمة الرباعية في مكة بالاضافة الى المطالب الشعبية من الحكومة الجديدة والضغوط التي تتعرض لها البلاد كان لموقع الاقتصاد مقابلة خاصة مع الخبير الاقتصادي من الاردن الدكتور مازن مرجي :

 

 

بداية كيف تصف القمة الرباعية التي انعقدت في مكة؟وما مدى اهمية هذه الخطوة  على ​الاقتصاد الاردني​ ؟

أن الاحتجاج الجاد والحضاري الذي قام به الشعب نجح ليس فقط في اخراج البلاد من دائرة اللافعل وانتظار المجهول بل أيضا في تحويل نقطة ضعف ​الأردن​ الإقتصادية الی شحنة قوة وانطلاقة شرارة الهام سياسية قد تحرك وتهز قواعدقيادات ​الدول العربية​، وبالتالي احست هذه الدول بانهم اذا لم يقفوا مع الأردن فسوف تقتدي شعوبهم بالاردنيين ولكن دون ضمانات أنهم سيكونون قادرين على التعامل معهم كما فعلت القيادات ​الأردني​ة والتي تقوى موقعها داخليا وخارجيا لما ابدته من تعقل وتجاوب مع مطالب الشعب الأردني المحقة  حينها لن ينفعهم ​ترامب​ أو ​إسرائيل​ .

وهنا تداعت هذه الدول الی تحرك عاجل لإعادة مسارات العلاقات مع الأردن الی المسار التقليدي والذي ساد لعقود طويلة والذي يرتكز علی دعم الاردن اقتصاديا ليس فضلا وإنما مصلحة ذاتية تحافظ علی ​توازن​ واستقرار تلك الأنظمة التي يشكل الأردن بالنسبة لها ليس فقط قاعدة أمنية استراتيجية أمامية وإنما أيضا الهاما ونموجا حضاريا متقدما تتوق إليه شعوبها.

واقرت القمة الرباعية حزمة من ​المساعدات​ الاقتصادية للأردن، يصل إجمالي مبالغها إلى مليارين وخمسمائة مليون دولار ،علی شكل اولا: وديعة في ​البنك المركزي الأردني​ ثانيا : ضمانات للبنك الدولي لمصلحة الأردن ثالثا: دعم سنوي لميزانية ​الحكومة الأردنية​ لمدة خمس سنوات رابعا : تمويل من صناديق التنمية لمشاريع إنمائية، وهذه المساعدات بالتأكيد لا اری بانها ستنهض ب​الاقتصاد الأردني​ تماما وإنما ستعينه علی عدم الانحدار أكثر في المعاناة الاقتصادية لشعبه وذلك نتيحة لضعف ​المؤشرات الاقتصادية​ الواضح .

واعتقد ان الاقتصاد الاردني يحتاج الی ما هو أكثر من مساعدات وضمانات عاجلة مفعولها سيكون انيا وإنما يحتاج الی إعادة توجيه وتصحيح النهج الاقتصادي المتبع.

 

 

كيف ترى الوضع في الاردن والاضراب والاعتصامات التي شهدها الشارع في الاونة الاخيرة ؟

الوضع في الأردن الآن ارتبط وتشكل بفعل حراك النقابات المهنية وعلى وقع الاحتجاجات والاعتصامات التي بدأت بالإضراب المنظم يوم 30 ايار الماضي، على خلفية السياسات الضاغطة علی المواطنين والتي مررت بموافقة وتخاذل ​مجلس النواب​ والذي أصبح أداة طيعة في يد الحكومة مع غياب أي دور حقيقي للأحزاب، وقد تمثلت هذه الصغوطات بفرض حكومة الملقي ​ضريبة المبيعات​ علی مئات السلع الأساسية بحدها الاعلی خلال عامي  2017 و 2018 وكذلك رفع الدعم نهائيا عن ​الخبز​ ، إضافة للانفلات في ارتفاع الأسعار المتتالية للسلع الاساسية مثل المشتقات ​النفط​ية وبنسب تجاوزت نسب ارتفاع أسعار النفط العالمي ، وكذلك ارتفاع أسعار ​الكهرباء​ و​المياه​ واقتطاعات الضمان، في حين  بقيت الرواتب كما هي دون زيادة تذكر ولعدة سنوات ، مما ادی الی مضاعفة المعاناة والصعوبات المعيشية حيث تآكل دخل الأسرة الأردنية، ثم جاء قانون ضريبة الدخل الجديد ليكون القشة التي قسمت ظهر البعير والتي لاقی رفضا تاما من كل شرائح المواطنين والقطاعات الاقتصادية حيث خفضت الإعفاءات بصورة واضحة علی الأفراد والأسر ورفعت نسب الضريبة علی القطاعات الاقتصادية التي تعاني من تراجع الإيرادات وحالة التباطؤ الاقتصادي الم​زمن​ة.

 وهنا كانت النقابات هي المعقل الأخير الذي يحمل صفة التمثيل لمئات الآلاف من الأعضاء وعائلاتهم إضافة للمجتمع ككل فالتقطت النقابات الفرصة وبادرت الی طرح وتبني حملة إسقاط القانون الضريبي الجديد وبعدها كرت السبحة والتي تحولت الی احتجاجات واضطرابات واسعة النطاق شملت كل محافظات المملكة متصاعدة في قوتها وشموليتها وأيضا متزايدة في مطالبها ، والتي لم تقتصر علی سحب قانون ضريبة الدخل المقترح ، وإنما لتطالب بإسقاط الحكومة وحل البرلمان ومحاربة الفاسدين وتغيير النهج السياسي والاقتصادي المتبع في الأردن.

 

 

ما مدى اهمية التحرك الشعبي في المرحلة الراهنة ؟ وهل هناك ابعاد سياسية لهذا التحرك؟

 التحرك الشعبي هو تحرك حضاري يطرح مطالب محقة ويسعى الی الاعتراض علی نهج غير صحيح، وهو يعبر عن وقفة دفاع عن حقوق ومكتسبات المواطنين وأيضا إيقاف التغول الحكومي علی المواطنين وعلى المجلس النيابي، وجاء هذا التحرك نتيجة لحالة الملل والاشباع التام وعدم الرضا عن سياسات الحكومة التي أصبحت ترتكز على جيب المواطن والجباية بصورة تحاصر المواطن، وتحرمه من أبسط حقوقه في الحياة الكريمة وفي ذات الأوان التمادي في سياسات الاقتراض الخارجي والداخلي وهم مقدرات البلاد للجهات الخارجية مما ادی الی التبعية السياسية الكاملة والاعتماد التام علی إرادة ومصالح دول وجهات خارجية،كما ان التحديات السياسية العالمية والإقليمية المستجدة أدت الی الضغط علی الأردن ومحاولة إجباره علی الخضوع للمصالح الصهيوأمريكية وخاصة قضية ​القدس​ وما سمي صفقة القرن التي انغمست فيها وأصبحت طرفا معاديا فيها ​السعودية​ و​دول الخليج​ التي كانت علی الدوام داعمة للأردن لتنقلب عليه ومن ثم تزيد من حجم المعاناة وتعطي الحكومة المبررات الإضافية لمزيد من الضرائب على الشعب الذي لم يعد يملك إلا القليل وذلك ضمن مفهوم جديد وهو الاعتماد علی الذات في بلد غارق في ​الديون​ ويراوح اقتصاده في مكانه ومشكلة ​اللاجئين السوريين​.

 

 

مع ​استقالة الحكومة​ وتشكيل حكومة جديدة هل هدء الشارع الاردني؟ او هناك توجه نحو التصعيد ؟

 جاءت استقالة أو بالأحرى "اقالة" حكومة الملقي معبرة عن نجاح الاحتجاجات الشعبية وثبتت مشروعية المطالب التي نادي بها المحتجون والمعتصمون والمضربون وهي تعتبر نقطة التحول الفارقة في تاريخ العمل السياسي وأعاد مفهوم العمل الديمقراطي الی أصله الدستوري إلا وهو أن الشعب هو مصدر السلطات ، والآن مع بدء عمل حكومة جديدة تنطلق من هذا المفهوم الذي مثلته الاحتجاجات والتحرك الشعبي الشامل لا يمكن لها إلا أن تبني علی ما تم إرساء قواعده من حق الشعب وسلطته ومن ثم عدم الاقتراب من مصالحه وحياته الأساسية.

وقد جاءت الخطوة الثانية لتلبية مطالب الشعب والتي هي بالأساس السبب المباشر لكل هذه الاحتجاجات حيث أعلن الرئيس المكلف الرزاز عن نيته سحب قانون الضريبة مباشرة بعد حصول حكومته علی ثقة مجلس النواب خطوة ستلعب دورا كبيرا وأساس في تخفيف حدة الاحتجاجات ومن ثم التوقف مع حلول عيد الفطر خلال الأيام القادمة وعودة الهدوء الی الشارع علی وعد أن يكون هناك مراجعة شاملة ليس فقط لقانون ضريبة الدخل المرفوض وإنما مراجعة شاملة للمفهوم الضريبي ليكون هناك توازنا مابين حاجة الدولة للايرادات وقدرة الشعب علی المساهمة وتوفير تلك الحاجة ولكن تحت مظلة أكثر عدالة ودستورية تراعي التزامات الدولة ورضى الشعب عن ما يناله من خدمات وحقوق واحترام.

 

هل صحيح ان الاردن يتعرض لضغوط اقتصادية من دول الخليج بسب علاقته الجيدة مع قطر و​تركيا​ ؟

بالتأكيد فإن الاردن وكما أسلفت يتعرض للضغوطات الهائلة من جهات دولية مثل ​أميركا​ وإقليمية مثل للسعودية وإسرائيل ونوع من التناغم ما بين كل هذه الضغوطات بسبب علاقة البلاد مع قطر وتركيا فهذا استنتاج غير صحيح وخاصة أن علاقة الأردن مع قطر ظلت وعبر سنوات طويلة تتراوح بين سيئة وأسوأ أما تركيا فقد أصبحت منافسة لدول مثل السعودية وعلى خلاف معها منذ زمن بعيد وقبل أن يكون هناك أية مشحنات بين الأردن والسعودية حيث بدأت تلك الاختلافات بينهما علی أثر استلام الملك سلمان وولي عهدة محمد ابن سلمان واللذين شرعا في انتهاج سياسة عدوانية جديدة ومعلنة هدفها الظاهر هو التصدي لإيران ووقف توسعها السياسي والعسكري في الإقليم كاملا وخاصة في ​العراق​ و​سوريا​ واليمن وعلى حساب السعودية ولكن الهدف الخفي أو غير المعلن هو رغبة في السيطرة الكاملة علی القرار السياسي للدول العربية الصديقة مثل الاردن و​لبنان​ و​مصر​ وغيرها ولكن ضمن منظور تسلطي خشن دون مراعاة سياسة هذه الدول مركزة في ذلك الی صفقة كبرى مشبوهة ومرتبطة باميركا ترامب، والصفقات بمئات المليارات ومرتبطة بإسرائيل كعراب بزعامة السعودية المدفوعة الثمن المالي وأيضا السياسي المتمثل بملف القدس واللاجئين الفلسطينين وهنا وقع الأردن تحت مطرقة التنمر السعودي المتسلح بمال النفط والصفقات الدولية المشبوهة.

 

 

كيف تقيم النهج الاقتصادي المتبع من قبل الحكومات المتعاقبة؟ وبرأيك ما هي البدائل الذي يستطيع الاردن اللجوء اليها غير المؤسسات الدولية وفرض الضرائب على المواطنين ؟

هناك بدائل كثيرة من ضمنها تعديل النهج الاقتصادي المتبع من النهج الجبائي الذي أوصل الاقتصاد الأردني إلى حالة الركود وإلى هذه الاحتجاجات واستبداله بالنهج التحفيزي الذي يقوم تخفيض الضرائب وتخفيض أسعار الفوائد لتحريك ​السيولة​ الكبيرة المتوفرة في البنوك الأردنية وتفعيل اتفاقيات التجارة الحرة مع الدول المختلفة وخلق فرص العمل وجذب الاستثمار وطبعا لا بد مكافحة الفساد من تهرب ضريبي ورشاوي وهدر وسوء إدارة ولا بد من زيادة الطلب الكلي على السلع والخدمات عبر ​زيادة الاجور​ ورواتب التقاعد وضبط ​التضخم​ لوقف تأكل القيمة الشرائية للدينار مما يؤدي بالتالي إلى تحريك عجلة الاقتصاد.