قبل المجلس الدستوري جزئيًا الطعن المُقدّم من عشرة نواب بقانون الموازنة رقم 792018 حيث ألغى 7 مواد منه وردّ الطعن ب​مخالفة​ المادة 87 من الدستور والطعن بالفصل الثاني من قانون الموازنة والبابين الثالث والرابع منها. فما هي حيثيات هذا القرار وما هي تداعياته الإقتصادية والمالية؟

 

ردّ المجلس الدستوري الطعن المُقدّم بقانون الموازنة 792018 لمخالفته المادّة 87 من الدستور والتي تنص على أن "حسابات الإدارة المالية النهائية يجب أن تعرض على المجلس ليوافق عليها قبل نشر موازنة السنة الثانية التي تلي تلك السنة" أي بمعنى أخر إلزامية إقرار قطع حساب السنة السابقة قبل إقرار قانون الموازنة (المادّة 118 من النظام الداخلي ل​مجلس النواب​). هذا الرّد بناه المجلس الدستوري على إعتبار الموازنة "ركيزة الإنتظام العام ذي القيمة الدستورية" وأعطى هذه الموازنة أهمية كبيرة بحسب نص الدستور (المادّة 65 الفقرة الرابعة، المادة 32...) واصفًا غياب قطع الحساب منذ العام 2003 وحتى يومنا هذا وغياب الموازنة لأكثر من عشرة سنوات بالحالة الشاذة والمخالفة الفاضحة للدستور (المواد 83 إلى 87) دون أن تكون هذه المخالفة سببًا كافيًا لإبطال قانون موازنة العام 2018.

 

كذلك فعل المجلس الدستوري في طلب الطعن بقانون الموازنة من ناحية مخالفة مجلس النواب لأحكام المادتين 32 و83 من الدستور كما والفقرتين "ج" و "د" من مقدمة الدستور لناحية عدم إحترام المُهل الدستورية حيث إعتبر المجلس الدستوري أن إنتهاك الدستور في ما يخص المهل الدستورية لا تُشكّل سببًا كافيًا لإلغاء قانون موازنة العام 2018 لنفس الأسباب أعلاه.

 

كما ردّ المجلس الدستوري الطعن بالمادة 13 من قانون الموازنة 792018 (إعطاء سلفة إلى مؤسسة كهرباء ​لبنان​) على إعتبار أن المواد 203 إلى 205 من قانون ​المحاسبة​ العمومية نصت على إمكانية إعطاء سلفة بمرسوم مُتخذ في ​مجلس الوزراء​ وإعلام السلطة التشريعية، وبالتالي فإن إعطاء السلفة لا يُخالف القانون.

 

كذلك عمد المجلس الدستوري إلى ردّ الطعن بالفصل الثاني من القانون 792018 في ما يخص الأشغال التي يتطلّب تنفيذها وإنجازها أكثر من سنة (مخالفة مبدأ سنوية الموازنة)، بحجّة أن الإجتهاد الدستوري أجاز مثل هذه القوانين إستثناءً لمبدأ السنوية.

 

وكذلك فعل في الطعن بالفصل الثالث من القانون 792018 (التعديلات الضريبية) بحجّة أن قانون المحاسبة العمومية نصّ على أن قانون الموازنة هو النص المُتضمّن إقرار السلطة التشريعية لمشروع الموازنة وبالتالي إمكانية إستحداث أو تعديل بعض القوانين الضريبية فيه.

 

في المقابل، أبطل المجلس الدستوري عددًا من مواد قانون الموازنة رقم 792018: 26، 14، 35، 43، 49،51، و52.

 

في المادة 26 والتي تنصّ على السماح للمكلّفين القيام بتسوية ضريبية، إعتبر المجلس الدستوري هذه المادة مخالفة للدستور خصوصًا الفقرة "ج" من مقدمته من ناحية العدالة والمسواة بين المكلفين الذين دفعوا الضرائب والمُكلفين الذين لم يدفعوا الضرائب. وبالتالي فإن هذه المادة تُخالف أصول التشريع.

 

أما المواد 14 (تعيين الهيئات الناظمة ومجالس الإدارة)، 35 (إعطاء الإمكانية لمالك العقار تسوية المخالفات)، 43 (إلغاء عدد من المؤسسات العامّة والمصالح المُستقلّة)، 49 (منح كل عربي أو أجنبي يشتري وحدة سكنية في لبنان إقامة)، 51 (تعديل المادّة 23 من القانون رقم 462017 أي زيادة ساعات العمل)، و52 (تحديد العطلة القضائية)، فقد إعتبرها المجلس الدستوري مُخالفة للدستور بحكم أن هذه المواد تتعلّق بقانون تملك الأجانب وبأمور تنظيمية وإدارية لا علاقة لها بقانون الموازنة وبالتالي لا يُمكن "دسّها" في هذا قانون.

 

التداعيات الإقتصادية والمالية

 

إن قراءة قرار المجلس الدستوري رقم 22018، أظهر بشكل واضح مخالفة السلطة التنفيذية والتشريعية للدستور على كل المُستويّات. هذه المخالفات فنّدها المجلس ودعّمها بنصوص قانونية لا يُمكن نكرانها.

 

وإذا كنّا نتفهّم وندعم مبدأ عدم قبول الطعن بقانون الموازنة رقم 792018 نظرًا إلى أهمية الموازنة في هيكلية الدوّلة المالية على الرغم من المخالفة الواضحة للمادة 87 من الدستور، إلا أن ما لا نتفهمه هو إعتبار المواد 26، 14، 35، 43، 49، 51، و52 مخالفة للدستور وبالتالي إبطالها. لسنا بموقع أو مقام المجلس الدستوري للإعتراض على قراراته، إلا أن المنطق الإقتصادي البحت يدّفعنا إلى عدم تفهّم خطوة الدستوري بحكم أن قراره سيحرم خزينة الدوّلة من مداخيل مالية وبالتالي فإن العجز سيزيد عما هو عليه في القانون 792018.

 

بحسب النظرية الإقتصادية، إن الضرر المالي والإقتصادي الناتج عن إلغاء المواد 26 و35 يفوق الـ 500 مليون دولار أميركي (حسابات تقديرية) من مداخيل ستُحرم منها الخزينة اللبنانية. كما أن إلغاء المواد 14، 43، 51، و52 يُقلّل من فعّاليّة مؤسسات الدوّلة وبالتالي يزيد من الكلفة التشغيلية على الخزينة. أمّا إلغاء المادّة 49، فيحرم القطاع العقاري من ​إستثمارات​ كانت لتُحفّزه (بغضّ النظر عن التفسيرات السياسية التي رافقت الإنتخابات النيابية).

 

من هذا المُنطلق، نعتبر أن قرار المجلس الدستوري سيزيد من ​عجز الموازنة​ وسيكون له تداعيات سلبية على الإقتصاد وعلى فعّالية الإدارة العامّة. وإذا كان هذا القرار قدّ ألغى المواد المذكورة أعلاه من قانون الموازنة، فإننا ندّعو المجلس النيابي الجديد إلى التصويت على قوانين خاصة تسمح بإمتصاص التداعيات السلبية لهذا القرار على المالية العامّة وعلى الإقتصاد.