تصدّرت الضربة الثلاثية التي وجهتها الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا لبعض المنشآت العسكرية السورية فجر السبت الماضي العناوين، خاصة ان البعد الاقتصادي لهذه الضربة لم يكن غائباً.

فعلى الرغم أن الضربة جاءت في وقت تكون فيه أسواق النفط والذهب والمال متوقفة في غالبية دول العالم حيث لا تعمل يومي السبت والأحد من كل أسبوع، إلا أن الأسواق فضلا عن بعض القطاعات الاقتصادية الأخرى مثل شركات الطيران والسياحة وتجارة السلاح تأثرت بالأجواء التي سبقت الضربة خاصة منذ إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب الأربعاء الماضي نيته توجيه ضربات صاروخية لسورية.

وتأثرت أسواق المال وخاصة العربية وشركات الطيران والسياحة بشكل سلبي خلال الأسبوع الماضي، بينما حققت شركات السلاح والنفط والذهب نتائج إيجابية مستفيدة من الأجواء التي سبقت الضربات.

فهل لهذه الضربة تأثيرات إقتصادية على المستوى المحلي أيضاً ؟ وهل تحمل في طياتها رسالة مباشرة أم انها خطوة لحفظ ماء الوجه فقط ؟ وماذا عن مشاريع مؤتمر سيدر في حال تطورت الأوضاع في المنطقة إلى الأسوأ ؟ وهل سينجح لبنان هذه المرة في الإختبار ؟ ... أسئلة كثيرة اجاب عنها عميد كلية إدارة الأعمال في جامعة الأنطونية البروفسور جورج نعمة في هذه المقابلة مع "الإقتصاد".

 

 

ما هي برأيك تأثيرات الضربة الثلاثية على سوريا على الاوضاع العامة في المنطقة وبالتالي على الإقتصاد بشكل عام وإقتصادنا الوطني بشكل خاص؟ وهل تعتقد أنها تحمل رسالة مبطنة ام انها خطوة جاءت لحفظ ماء الوجه فقط ؟

 

اعتقد ان القلق وصل إلى مستويات عالية جداً الأسبوع الماضي قبل الضربة العسكرية، فمنذ تصريحات الرئيس الأميركي عن نيته توجيه ضربة عسكرية في سوريا، شهدنا على قلق كبير في الأسواق، وهذا القلق ظهر جليا في اداء الأسواق المالية على مستوى المنطقة والعالم. ولكن بعد حصول الضربة بهذا الشكل المحدود جداً، إنخفض منسوب القلق بشكل كبير، وهذا يعني ان لا يوجد إي إرتداداتها تذكر على المستوى الإقتصادي، وخاصة فيما يتعلق بالإقتصاد الوطني محلياً.

الخوف كان من إمكانية توسع هذه الضربة للتحول غلى صدام حقيقي بين الأطراف المتنازعة في المنطقة، مما سينعكس سلبا على المشاريع المنتظرة من مؤتمر "سيدر"، ولكن محدودية هذه الضربة بدد المخاوف، وبالتالي أصبح هذا الحدث وراءنا اليوم.

 

 

ماذا بعد مؤتمر سيدر ؟ وهل تعتقد ان لبنان سينجح في الإختبارهذه المرة ؟

 

لا شك ان لبنان لدية القدرة على النجاح في هذا الإختبار، ولكن لا يمكن تاكيد ذلك، فالأمر يتعلق بالنية الحقيقية للسلطة السياسية في تنفيذ الإصلاحات الضرورية والمطلوبة.

فنحن مقبلون اليوم على إنتخابات برلمانية، سينتج عنها سلطة تنفيذية جديدة (حكومة)، وعلى هذه الحكومة القادمة والمجلس النيابي المنتظر، التعامل مع نتائج مؤتمر "سيدر" بطريقة عملية، حيث يجب البدء بتنفيذ المشاريع التي أقرت مسبقا في مجلس الإنماء والإعمار، والمضي قدماً بإكمال الورشة الإصلاحية من خلال إقرار عدد من القوانين ووضع المراسيم التطبيقية لبعض القوانين والتشريعات الأخرى، وخاصة قانون الشراكة بين القطاعين العام والخاص الذي سيلعب دوراً رئيسياً في إنجاح مشروعات مؤتمر "سيدر"، فالقطاع الخاص سيكون شريك في تمويل المشروعات المطروحة.

من جهة اخرى موضوع الإصلاح مرتبط إرتباطاً وثيقاً بنجاح مؤتمر "سيدر"، فالمجتمع الدولي ربط هذه القروض الميسرة بعدد كبير من الإصلاحات الضرورية، وهذا الأمر يحتاج إلى قرار حقيقي وإرادة فعلية للمضي بهذه الإصلاحات خاصة على مستوى وقف مزاريب الهدر والفساد، فهذه فرصة حقيقية للبنان من أجل تكبير حجم إقتصاده. ولكن المعيار الأساسي للنجاح هو إلتزام الحكومة باللإصلاحات المطلوبة منها.

هذه الفرصة الأخيرة، ويجب أن نستفيد منها، لذلك علينا العمل بكل جدية لتكبير حجم الإقتصاد الوطني، وتخطي محنة نسبة الدين العام مقارنة مع الناتج المحلي، فديننا العام اليوم ينمو سنويا بنسبة 6 إلى 7%، في حين ان النمو الإقتصادي 1% ... لذلك من المفترض ان نرفع نسب النمو من خلال هذه المشاريع والإستثمارات الجديدة مما قد يخفض نسبة الدين العام على الناتج المحلي من 148% إلى 120 او 110%، وهذا الامر ليس مستحيلاً خاصة اننا تمكنا من تحقيقة بين الـ 2008 و 2011.

 

 

اكد العديد من الخبراء أن لبنان قادر على إستعادة 3 إلى 5 مليارات دولار سنويا إذا قام بإصلاحات جدية واوقف الهدر والفساد في المرافق والمؤسسات العامة ... إذا كانت هذه الأرقام صحيحة فلماذا التوجه نحو الإستدانة مجدداً؟

 

لا شك ان الفساد والهدر موجود، ولكن لا اعرف إذا ما كانت هذه الأرقام دقيقة او صحيحة، ولكي نكون موضوعيين في إستخدام الارقام، لا يمكن تحديد رقم بـ 4 او 5 مليارات دولار، فقد تكون الأرقام أقل من ذلك، وقد تكون اكثر بكثير، ولكن ما يمكن الحديث عنه هو ان هناك مؤشرات كثيرة في الموازنة العامة تثبت وجود هدر وفساد كبيرين، فالمقاربة بين النفقات الإيرادات تظهر ان هناك إرتفاعا دائما للنفقات وتراجع دائم في الإيرادات على الرغم من ان الإقتصاد يحقق نمواً، حتى وإن كان هذا النمو منخفض .

وحتى الان نحن فشلنا في الإصلاح الإداري والإصلاح المالي، ونزيف المالية العامة وصل إلى اكثر من 9000 مليار ليرة لبنانية، على الرغم تحذيرات صندوق النقد والبنك الدولي وغيرها من المؤسسات.

المطلوب من الدولة اليوم تقليص حجم القطاع العام في الإقتصاد الوطني، لانه فاق كل المعايير، والمجتمع الدولي لن يأتي ويجبرنا على الإصلاحات الضرورية، فهذا الأمر يتعلق كما ذكرت سابقا بالقرار الجدي والإرادة الجدية للدولة اللبنانية، ورسم خطة إصلاحية متكاملة تُعنى بالكثير من القطاعات، والمجتمع الدولي دوره ينحصر في مراقبة تطبيق هذه الخطة، وعلى ضوء النتائج يقوم المجتمع الدولي بتمويل المشاريع التي تهدف إلى تكبير حجم الإقتصاد الوطني.

 

 

كيف تنظر إلى الإنتخابات النيابية المقبلة ؟ وهل انت متفائل بتغيير نحو الأفضل خاصة على المستوى الإقتصادي ؟

 

لا اعتقد ان الإنتخابات النيابية ستساهم في تغيير وجه السلطة الحالية الحاكمة، فهذه الإنتخابات ستساهم في رفع معدلات النمو الإقتصادي لان هناك ضخ اموال وإنفاق عام وخاص ضخم جداً في السوق، ولكنها لن تاتِ بتغيير جدي واساسي في الطبقة السياسية الموجودة، والفروقات ستنحصر فقط بحجم التمثيل وبطريقة توزيع التمثيل على المناطق جغرافياً.

ولكن على السلطة السياسية التي ستتكون، والتي ستحمل تقريبا نفس المعالم السابقة .. ان تنكب على تنفيذ مقررات مؤتمر سيدر. ونحن قادرين على ذلك بدون شك، ولكن هل النية الحقيقية موجودة ؟!