"​لبنان​ كان يسير على النموذج ​اليونان​ي .بهذه ال​موازنة​ ابتعدنا عن ​أزمة اليونان​ وحافظنا على لبنان. وب​الموازنة​ والاصلاحات التي سنقوم بها نبتعد أكثر فأكثر. ولكن لو استمررنا بالصرف لكنا سبقنا اليونان. وما أنجزناه اليوم هو أننا ابتعدنا عن اليونان، ويجب ان يكون هناك المزيد من الإصلاحات، وأنا لست خائفاً." هكذا زفّ رئيس الحكومة ​سعد الحريري​ إقرار الموازنة .

 

وكشف الرئيس الحريري عن أقرار مادة هي كلفة الإيجارات التي تدفعها الدولة على الأبنية التي تستخدمها. وتبيّن أنه بقيمة إيجار خمس سنوات يمكن بناء أبنية تستوعب كل الوزارات والإدارات. وأقر أيضا مشروع قانون لبناء إدارات رسمية، تضمّن فقرة تسمح باعتماد الإيجار التملكي.

 

كلفة إيجارات المباني الحكومية والرسمية، فضيحة بارزة تغاضت عنها الحكومات السابقة المتعاقبة . قيمتها تناهز 110 مليارات سنوياً للحكومية و200مليار ليرة للرسمية من مؤسسات ومجالس وصناديق . البعض يؤكد ان هذا المبلغ لا تدفعه دولة في العالم على إيجارات لإداراتها ومؤسساتها فيما انها قادرة على تشييد مبانٍ لهذه الإدارات وبكلفة لا تتخطى ثلث المبلغ المذكور .

 

"الاقتصاد" كشفت وكتبت عن هذه المسألة في 28 آب 2016 وذكرت ان ​الدولة اللبنانية​ من خلال الوزارات والإدارات الحكومية تستأجر مئات المباني والمكاتب في مختلف المناطق اللبنانية. وبحسب مشروع موازنة العام 2015، بلغتكلفة الإيجارات 97.7 مليار ليرة مقارنة بـ 68.2 مليار ليرة في موازنة العام 2005. هذا الإرتفاع في كلفة الإيجارات يعكس بدون أدنى شكّ غياب الإدارة الرشيدة في إدارة أملاك الدوّلة اللبنانية. والجدير بالذكر أن هناك خطّة وُضعت من قبل ​الحكومة اللبنانية​ لشراء وأو تشييد مباني للوزارات والإدارات الحكومية، لكنها لم تُنفذ إلا بشق بسيط جدًا. الحجّة التي أُعطيت لتبرير عدم تنفيذ هذه الخطّة هو عدم توفّر التمويل، لكن بالنظر إلى المبالغ التي تُدّفع سنويًا، نرى أن هذه الحجّة لا تبرّر عدم تنفيذ الخّطة.

 

والمُشكلة أن هذه الكلفة مرجّحة أن ترتفع في الأعوام المقبلة نتيجة التوسع في الإدارات العامة ونتيجة ​قانون الإيجارات​ الجديد والذي يفرض زيادة سنوية.

 

وشرح البروفسور عجاقة حينها ان الإيجارات مرصود لها في الموازنة (حتى العام 2005) وفي مشاريع الموازنة (من العام 2006 إلى العام 2016) وبالتالي فإنها جزء لا يتجزأ من إنفاق الدولة اللبنانية.

 

وزني

 

واليوم بعد كلام الرئيس الحريري هناك ما يبشّر بالخير ولكن العبرة في التنفيذ ،وفق ما يذكره الخبير المالي الدكتور غازني وزني "للاقتصاد". ويقول ان خطة الحكومة اليوم هو تشييد ابنية على مرحلة 5سنوات وفق نظام الايجار التملكي اي BRTBuilt Rent Transfer وبانتظار الانتهاء ستبقى عقود الايجار سارية . واكد ان الحكومة تدفع بدل هذه الايجارات ولا تتأخر عكس عدم التزامها بالمستحقات الاخرى المترتبة بذمتها للضمان وغيره...اما ملكية هذه الابنية فهي موّزعة بين عدة أفراد .

 

وعن ترّتب إيجارات على مؤسسات عامة تتقاضى مساهمة من الدولة وهي غير منتجة مالياً، كمجلس الإنماء والإعمار و​الصندوق المركزي للمهجرين​ والمجلس الإقتصادي والإجتماعي ومؤسسة المحفوظات الوطنية، والمؤسسة الوطنية لضمان ​الودائع​ ومؤسسة ضمان الإستثمارات ومجلس الجنوب و​الجامعة اللبنانية​ والدفاع المدني... وتبلغ قيمة هذه الإيجارات حوالى 24968 مليون ليرة يوضح وزني ان هناك قراراً حكومياً بإقفال زهاء 84 من هذه المؤسسات وصولاً حتى العام 2020. ويضيف العبرة تبقى ايضاً في التنفيذ .

 

ويعتبر وزني ان خروج بعض الادارات والمؤسسات خارج بيروت بسبب الكلفة المرتفعة للايجار الى الضواحي فكرة جيدة بانتظار الاستملاك.

 

حلول لجنة المال

 

في الواقع ، بعض المراقبين يرى انه بين هذه الإيجارات ما هو منطقي كالكثير من الإدارات والوزارات والمديريات، وبينها ما هو غير منطقي كمبنى ​الإسكوا​ في رياض الصلح . والمشكلة بحسب احدى الجلسات التي عقدتها لجنة المال والموازنة سابقا ًبهدف تأمين أكبر قيمة ممكنة من الوفر عبر إقفال مزاريب الهدر تتوزع على الشكل التالي:

 

أولاً - بتمركز مكاتب الإدارات العامة في المناطق ذات الإيجارات المرتفعة، كالوسط التجاري ورأس بيروت وشارع الحمرا والقنطاري والصنائع وفردان... علماً أن الدستور لا يتحدث عن حصر هذه المؤسسات بالعاصمة.

 

ثانياً - باعتبار مبنى الإسكوا عقاراً مستأجراً بدلاً من اعتباره مكاتب مستأجرة.

 

وجود الكثير من المدارس الرسمية التي أنشأها مجلس الجنوب وهي غير مشغولة على رغم أن موقعها قريب من مدارس مستأجرة.

 

رابعاً- ترتيب إيجارات على مؤسسات عامة تتقاضى مساهمة من الدولة وهي غير منتجة مالياً، كمجلس الإنماء والإعمار والصندوق المركزي للمهجرين والمجلس الإقتصادي والإجتماعي ومؤسسة المحفوظات الوطنية، والمؤسسة الوطنية لضمان الودائع ومؤسسة ضمان الإستثمارات ومجلس الجنوب والجامعة اللبنانية والدفاع المدني... وتبلغ قيمة هذه الإيجارات حوالى 24968 مليون ليرة، ما يعني أن عبء بدل الإيجارات على موازنة الدولة هو أكبر بكثير مما هو وارد في الإعتمادات المخصَّصَة للإيجارات في الموازنة.

 

و قدمت لجنة المال والموازنة برئاسة ​ابراهيم كنعان​ توصيةً الى الحكومة، تقترح فيها حلاً لمشكلة الإيجارات، ثلاثي الإتجاهات:

 

أولاً- الإنتقال من المناطق ذات الإيجارات المرتفعة الى الضواحي القريبة من بيروت، حيث أسعار الإيجارات أقل بكثير من العاصمة.

ثانياً- إنشاء مجمعات إدارية على ​عقارات​ تملكها الدولة أو البلديات، أو تعود ملكيتها الى مصلحة سكك ​الحديد​ والنقل المشترك العاطلة عن العمل منذ الحرب الأهلية.

ثالثاً- إحياء مشروع تجميع المدارس الرسمية بمجمعات كبرى في المناطق بحيث يتم الوصول الى تخفيض كلفة الإيجارات، على أن تكون ملكية هذه المجمعات للدولة اللبنانية.

 

هذه التوصيات أملت لجنة المال والموازنة بأن تأخذ بها الحكومة و​مجلس النواب​ عند مناقشة موازنة العام 2018 (ويبدو ان هذا ما بدأ يحصل ) بعيداً كل البعد من الحسابات السياسية، ولأن توفير هذه المليارات على الخزينة العامة سيفيد البلد بشكل عام، لا فريقاً أو حزباً أو تياراً واحداً.

 

لمسنا الجدية من قبل الحكومة بوقف الهدر و​الانفاق​ غير المجدي وان كان الوقت متـاخراً فهو خير من ان لا يأتي ابداً على امل ان تأتي الامور كما يريدها اهل الخير.

 

ويبقى السؤال هل يبدأ وقف الهدر من باب الايجارات المدفوعة عن المكاتب والأبنية الحكومية والرسمية؟