تسعى السلطات اللبنانية إلى إقرار موازنة العام 2018 قبل الذهاب إلى مؤتمر باريس 4 على إعتبار أن إقرار هذه الموازنة هو من الشروط الأساسية لإنعقاد هذا المؤتمر. لكن إقرار هذه الموازنة بغياب قطع الحساب وبدون إيجاد حلول للعجز، تبقى رهينة المخارج الدستورية والإتفاقات السياسية.

لا يُخفى على أحد أهمية الموازنات العامّة في إدارة الدولة حيث وفي مُعظم دساتير العالم يتمّ ذكر الموازنة كأداة أساسية في الإدارة الإقتصادية، الإجتماعية والمالية للدوّلة. فالموازنة هي تجسيد للسياسة العامّة التي تتبعها الحكومات من ناحية أنها تحوي بالدرجة الأولى على خطّة الحكومة للعام المُقبل وبالتالي فإن الخطوات التي تقوم بها الحكومة هي تنفيذ لهذه الموازنة.

وتحت تأثير ضغوطات مؤتمر باريس 4، يظهر جليًا أن هناك إرادة في الدولة اللبنانية لإقرار موازنة العام 2018 وذلك قبل موعد المؤتمر المرتقب في شهر نيسان المُقبل. لكن إقرار موازنة العام 2018 لن يكون سهلًا نظرًا للمشاكل التي تواجه هذه الموازنة.

 

 

مُشكلة قطع الحساب

 

أعطّى الدستور اللبناني مكانة كبيرة لقطع الحساب في إدارة الدولة اللبنانية. وفرضت المادة 87 من الدستور على المجلس النيابي إقرار قطع الحساب قبل الموافقة على مشروع الموازنة. وقطع الحساب هو عبارة عن مُستند شبيه بالموازنة يحمل الأرقام النهائية للإدارة المالية مقارنة بأرقام الموازنة مما يسمح لمجلس النواب بالتأكد من أن الحكومة التزمت خلال العام المُنصرم بمُقررات مجلس النواب في ما يخص الإنفاق.

 

مُشكلة قطع الحساب مُشكلة مُزمنة بدأت مع توقف الدولة عن إقرار الموازنات في العام 2005 مما يعني أن أخر قطع حساب رسمي يعود إلى العام 2003، وبالتالي غاب قطع الحساب منذ العام 2003 وحتى يومنا هذا.

 

أقرّ مجلس النواب موازنة العام 2017 في شهر تشرين الأول من العام الماضي متخطيًا نَصّ المادة 87 من الدستور حيث عطّل مفعول هذه الأخيرة لمرّة واحدة على أن تعمد الحكومة إلى عرض قطع حساب على مجلس النواب في فترة لا تتعدّى السنة.

 

ويعود سبب إبطال مفعول المادة 87 من الدستور إلى وجود مشاكل في حسابات الدولة اللبنانية وخصوصًا الإنفاق الذي تمّ في الحقبة الماضية والذي يفتقد إلى معايير المحاسبة العمومية مما دفع بديوان المحاسبة إلى رفض التوقيع على قطع الحساب الذي قُدم له.

 

لكن المُشكلة الأكبر تبقى في النقاط التي أثارها وزير المال علي حسن خليل في تقريره الذي قدّمه إلى مجلس الوزراء في أخر جلسة له في أيلول 2017، حيث أثار الوزير عدد من النقاط تجعل من قطع حساب العام 2003 موضع شكّ من ناحية دقته.

 

 

 

المُشكلة التي تواجه السلطة حاليًا هو كيفية تخطّي المادة 87 من الدستور حيث هناك إحتمالان:

 

أولًا – إعتماد نفس المخرج الذي تمّ إعتماده لموازنة العام 2017 أي تعطيل المادة 87 من الدستور مع إيجاد بدعة قانونية يكون عمادها أسباب موجبة (مؤتمر باريس 4 مثلًا). وهذا الأمر سيُشكّل ضربة لمصداقية الحكومة وبالتالي الطبقة السياسية التي تعهدت بعرض قطع حساب على مجلس النواب لإقراره.

 

ثانيًا – إقرار قطع حساب للعام 2016 بالتوازي مع إقرار مشروع موازنة العام 2018 وهذا الأمر سيُبرز مُشكلة مصداقية الأرقام وبالتالي إحتمال إعتماد الطبقة السياسية مبدأ "عفى الله عما مضى". في هذه الحالة هناك مُشكلة الدين العام الذي لا يُمكن معرفة قيمته بالتحديد من دون تدقيق من قبل ديوان المُحاسبة.

 

 

مُشكلة هيكلية الإنفاق

 

في الثالث والعشرون من شهر كانون الثاني، أصدر رئيس الحكومة سعد الحريري تعميما طلب فيه من جميع الإدارات والمؤسسات العامة والمجالس والهيئات وسائر الاشخاص المعنويين ذوي الصفة العمومية تخفيض تقديرات الاعتمادات لكافة بنود الانفاق (بإستثناء الرواتب وملحقاتها) لمشروع موزانة 2018 بنسبة 20%تماشيًا مع سياسة ترشيد الانفاق وضبط المالية العامة.

 

تُشير أرقام وزارة المال وموازنة العام 2017 وحساباتنا للعام 2018، أن تخفيض الإنفاق بنسبة 20% سيؤدّي إلى توفير 1797 مليار ليرة لبنانية أي ما يوازي من 7.59% من إجمالي إنفاق العام 2018. هذا الأمر بالمطلق جيّد، لكنه غير كافٍ بحكم أن نسبة الأجور والتعويضات والتقاعد إلى إجمالي النفقات إضافة إلى نسبة خدمة الدين إلى إجمالي النفقات سيُشكّل 68% من إجمالي الإنفاق في العام 2018 وبالتالي تخفيض الإنفاق 20% سيطال الـ 32% الباقين (7689 مليار ليرة). بمعنى أخر فإن التخفيض سيكون بنسبة 6.5% من إجمالي الإنفاق في العام 2018.

 

هذا الأمر غير كافٍ بالمطلق نظرًا إلى أن قسم من هذه التخفيضات ستذهب لصالح الأجور في القطاع العام عام 2018. فموازنة العام 2017 أدخلت زيادة الأجور على أربعة أشهر فقط من السنة (ولم تطلّ حتى الساعة كل الأجراء) مما يعني أن بند الأجور سيُصبح قيمته 8484 مليار ليرة لبنانية بدلًا من 7534 مليار ليرة لبنانية في العام 2017.

 

من ناحية أخرى، كان هناك بعض التسريبات الإعلامية التي قالت بأن مشروع موازنة العام 2018 لن يتضمّن أي ضرائب جديدة مما يعني أن إيرادات الدوّلة ستبقى على حالها في العام 2018 نسبة إلى العام 2017 (17348 مليار ليرة) أي أن العجز سيبقى (على الورق أقلّه) بحدود الـ 6325 مليار ليرة. لكن الأمر الأهم هو أن بنديّالأجور والتعويضات والتقاعد وخدمة الدين إلى إجمالي الإيرادات سيُشكّل 92% من إيرادات الدوّلة أي بمعنى أخر هناك إستحالة القيام بأية مشاريع أو إنفاق من دون تسجيل عجز في الموازنة!

 

بالطبع هذا الواقع يُظهر أن المُشكلة الحقيقية في الموازنة هي مشكلة هيكلية الإنفاق في هذه الموازنة حيث يبقى التوظيف العشوائي في الدوّلة أمّ المشاكل. ونرى أن كتلة الأجور إرتفعت بنسبة 137% من العام 2007 (3583 مليار ليرة) إلى العام 2018 (8484 مليار ليرة).

 

أيضًا هناك مُشكلة خدمة الدين العام التي ترتفع بشكل كبير من 4941 مليار ليرة في العام 2007 إلى أكثر من 7500 مليار ليرة في العام 2018. وهذا الأمر هو نتاج الإنفاق العشوائي.

 

 

من هنا نرى أنه لا يُمكن السيطرة على مالية الدوّلة ما لم يتمّ معالجة ثلاثة نقاط أساسية:

 

الأولى – وقف التوظيف بكل أنواعه في الدوّلة اللبنانية خصوصًا التعاقد بالساعة والعمل على خفض كتلة الأجور من خلال توظيف شخص واحد لكل موظفيّن يبلغان السنّ القانوني.

الثانية – وقف كل أنواع الهدر وعلى رأسها تعويضات اللجان، وتعويضات السفر، ومشاريع الفيل الأبيض التي لا جدوى منها وحصر كل المشاريع بمناقصات شفّافة تمر كلها بدون إستثناء بإدارة المُناقصات.

الثالثة – محاربة التهرّب الضريبي وذلك من خلال رفع السريّة المصرفية عن كل الأفراد والشركات لصالح وزارة المال لأن هذا التهرب يُخسّر الخزينة ما يوازي 7.2% من الناتج المحلّي الإجمالي.