لا شك أن إستقالة الرئيس ​سعد الحريري​ المفاجئة من رئاسة ​الحكومة اللبنانية​، والظروف الغامضة التي أحاطت بهذه الإستقالة إنعكست سلبا على الأسواق المالية المحلية، وخلقت نوعاً من الإرباك في الأوساط السياسية والإقتصادية، إلا أن الأسواق بدأت بإستيعاب الصدمة ولكنها يقبت في حالة ترقّب بإنتظار ما ستؤول إليه الأحداث المقبلة محلياً وإقليمياً.

 

وبما أن معظم الأوساط السياسسة والمحللين أثبتوا على مدار الأيام الماضية أنهم ليسوا على دراية بالأسباب التي أدت إلى هذه الأحداث المتسارعة والمفاجئة، لا بد لنا من توقّع السيناريوهات الأسوأ التي قد تحصل، لكي نتمكن على الأقل من إتخاذ تدابير إستباقية في محاولة لإستيعابها ومن ثم تخطيها إذا ما حصلت.

 

والسيناريو الأسوأ الذي قد يحصل هو ذهاب المملكة العربية ​السعودية​ نحو التصعيد من خلال مقاطعة كاملة للبنان سياسيا وإقتصادياً، مما قد يؤدي إلى ضربة كبيرة للعديد من القطاعات الإقتصادية، خاصة أن ما يربطنا بالسعودية من الناحية الإقتصادية لا يمكن الإستهانة به، أضف إلى ذلك وجود أكثر من 350 ألف مغترب لبناني في السعودية، يساهمون في بتحويلات مالية سنوية تقدّر بـ 4.5 مليار دولار.

 

فما هي تداعيات المقاطعة السعودية للبنان إذا حصلت فعلاً؟ وما هي القطاعات الإقتصادية الأكثر تأثراً من هذه المقاطعة ؟ ... وماذا عن مصير أكثر من 350 ألف لبناني مغترب في المملكة؟

 

في هذا السياق إعتبر عميد كلية إدارة الأعمال في جامعة الأنطونية د. جورج نعمة، أن إستقالة الرئيس الحريري في البداية أدت إلى صدمة سلبية في أسواق الأسهم في بورصة بيروت، ولكن سرعان ما إستطاعت الأسواق إستيعاب الصدمة وسط خسائر بسيطة لا تتخطى النصف دولار لسهمي سوليدير "أ" و "ب" في أسبوع تقريباً، مضيفاً ان الأحداث التي ستلي خطوة الإستقالة هي الأهم، وهي تتعلق بالخطوات والتدابير التي قد تتخذها ​المملكة العربية السعودية​، فهناك سيناريوهات عديدة يمكن توقعها، والسيناريو الأسوأ والأكثر تشاؤماً هو ذهاب السعودية لأعلى مستويات التصعيد من خلال قطع كل العلاقات مع لبنان وإتخاذ كافة التدابير السلبية، مما قد يؤدي إلى تداعيات سلبية وكبيرة على إقتصادنا الوطني.

 

وقال د. نعمة "بداية يجب أن نعترف بأن السعودية هي شريك تجاري مهم للبنان، فإذا نظرنا إلى الميزان التجاري بين البلدين نجد أن قيمة صادراتنا جيدة إلى المملكة، ووارداتنا من السعودية عالية جدا أيضا وتتخطى حجم صادراتنا بكثير، وفي حال قُطعت العلاقات التجارية بين البلدين سيكون هناك تأثير سلبي على القطاعين الزراعي والصناعي من جهة، كما سيضطر لبنان للبحث عن مصادر أخرى لتعويض الواردات التي كان يقوم بإستيرادها من السعودية، وإلى أسواق لتصريف الصادرات التي كانت تتجه نحو السوق السعودي".

 

وتابع "من جهة أخرى لبنان تابع للنظام المالي العالمي الذي يتميز بحرية تناقل الأموال بين القطاعات المصرفية، وبالتالي في حال تم إتخاذ تدابير لوقف التحويلات من السعودية إلى لبنان، سيؤدي ذلك إلى إنخفاض كبير في التحويلات المالية – خاصة مع وجود أكثر من 350 ألف مغترب لبناني يعملون في السعودية - وبالتالي سيتباطأ نمو الودائع في قطاعنا المصرفي".

 

وإعتبر د.نعمة أن "الإجراء الأكثر تأثيراً وخطورة هو قرار ترحيل اللبنانيين من السعودية، فإذا قامت المملكة بهذا الإجراء سيكون هناك تداعيات إقتصادية كبيرة وحقيقية، خاصة ان سوق العمل اللبناني هو سوق لا يتمتع بالمرونة، ولا نملك فرص عمل، ومن سابع المستحيلات أن يتمكن الإقتصاد اللبناني من إستيعاب آلاف اللبنانيين العائدين ... ولكن في حال وصول الأمور إلى هذا الحد بين البلدين، يجب أن لا ننسى أيضاً بان هناك عقارات واملاك للسعوديين في لبنان ستكون مجهولة المصير، وهي ليست بقليلة، وبالتالي على السعودية أن لا تغقل ذلك في حال ذهبت نحو التصعيد".

 

ولفت نعمة أيضا إلى نقطة أساسية ومهمة جدا وهي أن "الحكومة السعودية تمتلك ودائع في مصرف لبنان، وهذه الودائع ملك للدولة السعودية وليست لأشخاص، وبالتالي ماذا سيكون مصير هذه الودائع؟" .. مؤكداً على "الثقة الكبيرة بمصرف لبنان والقطاع المصرفي اللبناني، وبقدرته على إتخاذ التدابير الوقائية لحماية الوضع النقدي والمالي في البلاد".

 

وختم د. نعمة "السيناريو الذي تحدثنا عنه هو سيناريو تشاؤمي جداً، وأنا أستبعد ان نصل إلى هذا الحد من إنقطاع كلي للعلاقات، خاصة أن هكذا إجراءات تعتبر حرب إقتصادية قائمة على لبنان ... ولكن بنفس الوقت، يجب على لبنان بكل مؤسساته بدءاً من الحكومة وصولا إلى المصرف المركزي أن يتخذ خطوات وتدابير إحترازية تحسباً لأي سيناريو محتمل، ولبنان قادر على تخطي هذه المرحلة لأننا لدينا القدرة ولدينا الإمكانيات من أجل تنظيم الأمور وإستباق أي خطوة قد تحصل .. فعلى الرغم من أهمية العلاقات بين لبنان والسعودية، إلا أن لبنان دولة مستقلة لها سيادتها، وعليها أن تحمي نفسها وان تحمي إقتصادها الوطني".