لا شك أن عطلة نهاية الأسبوع الماضي كانت الأكثر زخماً بالمفاجآت منذ عام استمر خلاله اللبنانيون بالبحث عمّا يقطع شكهم باليقين أن الأمور على ما يرام. منذ بداية العهد، سعى الأفرقاء السياسيون الى التأكيد للبنانيين على تميّز هذه الفترة بما سيتم إنجازه من ترسيخ لمبدأ الدولة الى تحقيق الأمن الإقتصادي، حتى نزلت استقالة رئيس الحكومة سعد الحريري يوم السبت على المواطنين والمسؤولين كالصاعقة، وذلك لأنها أتت من فراغ دون أي إشارات سابقة أو مواقف تشير إلى انقلاب الأمور رأساً على عقب.

 

بعد الكثير من "الإنجازات" في ملفات كانت عالقة لسنوات كسلسلة الرتب والرواتب، والقانون الإنتخابي، والمراسيم المتعلقة بملف النفط، كان اللبنانيون قدأ بدأوا يستشعرون ما يشبه الإستقرار السياسي ليأتي الحريري ومن الرياض بالإعلان عن العاصفة.

 

وبالترافق مع هذا الحدث، هبّت عاصفة "أخرى" في ​السعودية​، كي لا نؤكد ارتباط الأمرين ببعضهما البعض، فتم اعتقال11 أميراً و38 وزيراً ونائب وزير حاليين وسابقين، وذلك بعد أن قام الملك السعودي بتشكيل لجنة عُليا برئاسة ولي العهد؛ لحصر جرائم الفساد العام والتحقيق فيها.

 

وجالت التحاليل اللبنانية الى كافة الفرضيات خلال نهاية الأسبوع، إلا أن الفرضية الأكثر تداولاً كانت سعي ولي العهد لتجريد الحريري من الحصانة التي يتمتّع بها كرئيس للحكومة اللبنانية ووضعه تحت الإقامة الجبرية لمحاسبته كمواطن سعودي بتهم فساد متورّط بها.

 

هل استقالة الرئيس سعد الحريري مرتبطة بإجراءات مكافحة الفساد في السعودية أم أنها فعلاً تعبير عن عدم الرضا بالسياسات المتّبعة من الحكومة اللبنانية؟ هل سيعود الحريري ليشرح للرئيس عون عن أسباب استقالته؟ هل سيوقّع رئيس الجمهورية العماد ميشال عون على الإستقالة ليتم تشكيل حكومة أخرى فيما بعد أم سندخل في سيناريوهات وحوارات مجهولة؟ لن يستطيع أحد الإجابة عن هذه الأسئلة إلا الأيام المقبلة، إلا أن الجميع يدرك نوعية التأثيرات التي ستلحقها الإستقالة بالإقتصاد اللبناني الهش أصلاً.

 

 

محلياً: إجماع على استقرار الوضع النقدي

 

محلياً، يرى الخبير الإقتصادي د. غازي وزني أن استقالة الرئيس الحريري "بالتأكيد خلقت أجواءً من عدم اليقين والقلق والخوف ما يؤدي الى تراجع القطاعات الإقتصادية كالسياحة والإستهلاك...أما فيما يتعلّق بالوضع النقدي فإن الليرة اللبنانية محصّنة ولا خوف عليها أبداً على المدى القريب".

 

وعن تأثير استقالة الحكومة على المشاريع الحكومية، يشير الخبير الإقتصادي ومستشار الرئيس نجيب ميقاتي، د. سمير الضاهر، الى انه باستقالة الرئيس الحريري "حكومته باتت حكومة تصريف أعمال، أي أنه لن يتم تحويل أي مشروع الى البرلمان، لذلك فإن أي مشروع يحتاج الى تشريعات جديدة أو مراسيم حكومية لن يتخذ القرار بشأنه، دور الحكومة سيقتصر على صرف الرواتب والأمور التي لن ينتج عنها التزامات مستقبلية للدولة اللبنانية".

 

وأضاف الضاهر: "أما بخصوص معدلات النمو فإن المشكلة في لبنان دائماً هي الصعوبات الهيكلية: من الأسعار المرتفعة للفائدة والبنية التحتية المهترئة وغياب الكفاءة والفساد في الإدارات العامة، فبغياب الحكومة أو وجودها النمو لن يكون بنسب جيدة، ولكن الصدمة التي نتجت عن طريقة تقديم الحريري لاستقالته، وما أثير من تساؤلات حولها يؤثر على سمعة المؤسسات بالتأكيد".

 

كما أكد الضاهر في الحديث عن سعر الصرف الليرة أنه "وبالترسانة التي يملكها المصرف المركزي من احتياطات العملة الأجنبية سيتمكن لبنان على الصعيد النقدي من استيعاب أي أزمة تواجهه".

 

 

سعودياً: إجراءات مكافحة الفساد بين الضرورة وعلامات الإستفهام

 

أما على صعيد السعودية وعن تأثير إجراءات ولي العهد على الإقتصاد خاصة بعد تأثر شركات سعودية كبرى كالمملكة القابضة، التي يملكها الوليد بن طلال أحد جبابرة المال، رأى د. وزني ان " رؤية محمد بن سلمان طموحة تهدف الى تحويل الإقتصاد السعودي من اقتصاد يستند على النفط الى اقتصاد استثماري، وهو أمر يحتاج الى الوقت والتطوير وتغيير الوضع الإقتصادي القائم بالترافق مع الإجراءات الإصلاحية في المالية العامة"، مشيراً إلى أن "مؤشرات المملكة العربية السعودية لم تكن مشجّعة خلال العام 2017، لذلك فإن الخطوات التي تم اتخاذها كانت ضرورية وتدعو الى التفاؤل".

 

ومن جهته الضاهر، لفت الى ان "الطريقة التي اتخذ ولي العهد السعودي فيها إجراءاته، أظهرتها وكأنها خطوات سياسية لتثبيت موقعه في الحكم"، وقال: "في السعودية، هناك العديد من الأمراء الذين لهم سلطة في جميع القطاعات الإقتصادية وعلى المدى الطويل خطوات ولي العهد ستؤدي بالتأكيد الى الشفافية والوضوح ان تم اتخاذها عبر تشريعات وقوانين، لكن الطريقة التي حصلت فيها الإعتقالات، أي بيوم واحد وكونها طالت أشخاصاً دورهم سياسي وليس اقتصادي، كرئيس الديوان الملكي أو قائد البحرية، طرحت الكثير من علامات الإستفهام.

 

كما أشار الضاهر الى أن "إقالة وزير المالية السابق إبراهيم العساف ذو السمعة الذهبية في المحافل الدولية واتهامه بالفساد سيؤثر سلباً على انتظام المؤسسات في السعودية".

 

يتّفق الجميع اليوم على أننا دخلنا الى حالة عدم اليقين، فإن كانت استقالة الحريري نهائية ولأسباب لبنانية، أو ان كانت جزء من ملف "مكافحة الفساد في السعودية" أو حلقة من حلقات مسلسل "لعبة العروش" فإن المطلوب اليوم من كافة المسؤولين هو اتخاذ الإجراءات المناسبة للحفاظ على ما تبقّى من هذا الإقتصاد واستكمال تنفيذ المشاريع التي تودي بنا الى الخلاص، وعلى رأسها ملف الطاقة.