في كل مرة يطرح فيها ملف الكهرباء على بساط البحث يخرج منه بواسطة التوتر العالي ليصبح جدلاً عقيماً حول ازمة طالت وتعددت لها الخطط والمشاريع التي خرج القسم منها بصفقات رابحة بدون نتائج واعدة.

 

بالامس، كان دور التوزيع ومقدمي الخدمات الذين يثيرون العديد من التساؤلات حول الجهة النافذة التي تقف وراء كل شركة ، مع تقصير واضح لشركتين في القيام باعمالهما ، ومواجهة الثالثة العراقيل ، واليوم دور الانتاج ، والطاقة المطلوبة في ظل ارتفاع الطلب.

 

وان كان وضع الشبكة في هذه المرحلة يعتبر نوعاً ما مستقرا مع تراجع الطلب بفعل العوامل المناخية المساعدة على تخفيف الاستهلاك ، وليس بفضل اي انجاز ، فان فصل الصيف لن يخلو من المشاكل والارتفاع في ساعات التقنين . بمعنى آخر الصيف سيكون حاراً كما في كل عام ، ولا يبدو ان وزارة الطاقة قد اعدت الحل الفعلي والنهائي.

 

وزارة الطاقة والمياه تفاجئ مجلس الوزراء في اللحظة الاخيرة بخطة الامر الواقع لتأمين الكهرباء عن طريق استقدام باخرتين اضافيتين لتوليد الطاقة كخطوة أولى تؤمن مزيدا من التغذية في الصيف. وقد طمأنالوزير ابي خليل إنه في الإمكان ان تبدأ الباخرة الاولى توليد الطاقة وتوريدها الى الشبكة في آخر شهر أيار. ويمكن تأمين الباخرة الثانية في آخر شهر آب.

 

اذاً وفق خطة وزير الطاقة يفترض لتأمين الكهرباء 22/24 ساعة استئجار باخرتين لتوليد 800 ميغاوات، اضافةالى الباخرتين اللتين تولدان 280 ميغاوات، ما يعني ان اجرة البواخر الأربع ستصل الى ما يناهز 1180 مليون دولار سنويًا، علما ً ان الكميات المنتجة من الكهرباء لن يصل منها الى المستهلكين المكلفين تسديد الرسوم سوى 63 في المئة فيما ستكون الخسارة على الشبكة المهترئة 17 في المئة و20 في المئة بسبب السرقات وبسبب تعطّل انشاء الشبكة الذكية.

 

وبعض الخبراء في الطاقة يرى ان كلفة ايجار سنتين للبواخر العائمة يكفي لتجهيز لبنان بطاقة مستدامة تعمل على الغاز وتوفر على لبنان اكثر من 1.6 مليار دولار سنويًا بدل ان تثقل كاهله باستدانة 1.2 مليار دولار سنويًا لاستئجار البواخر العائمة.

 

و مع ان تجربة الاعتماد على البواخر لتأمين انتاج الطاقة ليست ناجحة وتثير الكثير من علامات الاستفهام بدءاً من الضرر الذي تلحقه بالبيئة والتلوث، الى الكلفة المرتفعة وصولاً الى آلية التلزيم يبدو ان المشروع الجاهز لدى وزارة الطاقة يتحضّر الى التلزيم بالتراضي بعد ورود معلومات عن استبعاد عدة شركات والاعتماد على دفتر شروط حكومة سابقة او بمعنى آخر دفتر على قياس شركة واحدة .

 

ولكن الجديد اليوم هو التصدي القواتي للمشروع الذي يفتقر للشفافية، وذلك داخل مجلس الوزراء بعدما غض وزير الطاقة النظر عن اخذ رأيه رغم الطلب المسبق منه والاشتراط عليه من قبل الوزراء القواتيين بانه لن يمر اي تلزيم في الكهرباء بعيداً عن مجلس الوزراء.

وسبق وان وجه نائب رئيس الحكومة وزير الصحة غسان حاصباني كتابين الى الأمانة العامة لمجلس الوزراء، تضمّنتا لائحة ملاحظات حول خطة الكهرباء تتمحور في معظمها حول اولاً : ضرورة "عودة وزارة الطاقة والمياه في كل مرحلة من الخطة إلى "مجلس الوزراء" واحترامها لاتّخاذ القرارات لا سيما دفاتر الشروط وتعديل الأسعار وتمويل اي جزء من الخطة، ونتائج المناقصات منذ اول اجتماع للحكومة.ثانياً : توسيع مروحة الخيارات في دفتر الشروط في اتجاه افضل الحلول لناحية الكلفة والسرعة في التنفيذ والشفافية والقوانين المرعية والأولويات البيئية. ثالثاً:تطبيق قانون المحاسبة العمومية بما يتعلّق بالمناقصات واستدراج العروض وفضّها.

 

بدعة عامل الوقت!

 

نعم "عامل الوقت والضغط الزمني مجرد تعمية على الحقائق وتبرير المحاصصة" حسب ما يقول الوزير حاصباني ، اذ ثمة الكثير من الحلول الممكن اعتمادها بالسرعة نفسها او ربما بأسرع من حلّ البواخر . فالبند الثاني من الورقة الإنقاذية للطاقة هو المباشرة بإنشاء معامل على اليابسة ، و البند الثالث هو استقدام محطات استيراد الغاز حسب الوزير سيزار ابي خليل .
في المحصلة ، ان استدراج العروض لم يراعِ الأصول القانونية لا من خلال إدارة المناقصات ولا وفقاً لقانون المحاسبة العمومية ولا عبر مؤسسة كهرباء لبنان وفقاً لقانون انشائها".

 

وبالتالي فان استعمال عامل الوقت كضغط في غير محله لانه سبق وان طلب الوزير حاصباني خلال جلسة 28 آذارالفائت في رسالة لمجلس الوزراء بوجوب إدارج دفتر الشروط المتعلق باستجرار الطاقة من المعامل القائمة على جدول أعمال الجلسة المقبلة للمجلس لمناقشته حرصاً على الإسراع في تطبيق المرحلة الأولى من الخطة بشفافية، ولتفادي اي تأخير ينتج عن عدم موافقة مجلس الوزراء الحالي على شروط المناقصة بعد استكمالها والتأكيد على أن تكون المواصفات الفنية والبيئية والمالية متماشية مع أولويات الدولة.

 

وركزت الرسالة على النقاط التالية التي وردت في النقاش حول استجرار الطاقة عبر المحطات العائمة:

 

- تحديد المدة الزمنية بثلاث سنوات فقط.

- توضيح المواصفات التقنية في دفتر الشروط.

- التركيز على استخدام الغاز في البواخر كونه أسلم بيئياً وأعلى مردوداً من HFO

- شمول العقد مع الشركات كلفة المحروقات وربطها بمؤشر أسعار السوق.

- توضيح الشروط الضريبية وشروط الدفع.

- ضم نسخة من مسودة العقد مع دفتر الشروط .

 

ولم يقف حد الاعتراض على تلزيمات " الطاقة " للبواخر عند وزراء القوات بل شمل وزراء أمل سيما وان وزير المالية علي حسن خليل، أشار إلى أن المداولات وقرار مجلس الوزراء حول خطة الكهرباء في الجلسة التي انعقدت في قصر بعبدا تختلف عما تم إصداره من قرارات في الامانة العامة لمجلس الوزراء”. وقال "سنقوم بالإجراءات القانونية اللازمة للتصحيح.

بعض المصادر المتابع للملف يلفت إلى أن ما شاع عن تغيير في الخطة يتضمن حق التلزيم بالتراضي، في حين أن المداولات في مجلس الوزراء لم تتطرق لذلك.

وفق المراجع القانونية فإن قرار مجلس الوزراء رقم 1 تاريخ 28/3/2017 قد بني على قانون المحاسبة العمومية وقانون إنشاء مؤسسة كهرباء لبنان وقرار مجلس الوزراء رقم 1 تاريخ 21/6/2010، المتعلق بالموافقة على ورقة سياسة قطاع الكهرباء .

وقد جاءت موافقة مجلس الوزراء هذه مشروطة باتخاذ مختلف ما يتطلبه تنفيذ هذه الخطة من قرارات ومشاريع وطرق إدارة وتمويل ودفاتر شروط، وفقاً للأصول المقررة في القوانين والأنظمة ولقرارات مجلس الوزراء المتعلقة بالموضوع. وقد طلب إلى وزير الطاقة أن يرفع إلى مجلس الوزراء تقارير نصف سنوية، حول نتائج تنفيذ الخطة. وكذلك فإن الموافقة الجديدة في 28/3/2017 استندت الى ذلك.

والجدير ذكره ان قانون إنشاء مصلحة كهرباء لبنان (رقم 16878 تاريخ 10/7/1964) منح هذه المؤسسة امتياز توزيع الطاقة الكهربائية على جميع الأراضي اللبنانية مع الأخذ بالاعتبار الامتيازات السابقة. ولا يجوز لمؤسسة كهرباء لبنان القيام بأعمال موزعي الخدمات التي هي تنازل عن صلاحياتها في التوزيع إلاّ بموجب قانون يجيز لها ذلك. وهو ما لم يتم. وبالتالي يجب اعتبار هذه الأشغال غير قانونية ولاغية.

كما ان قانون تنظيم قطاع الكهرباء رقم 462 تاريخ 2/9/2002 المدماك الأبرز فيه هو إنشاء هيئة تنظيم قطاع الكهرباء، التي أعطيت حق منح التراخيص ودراسة المخططات التوجيهية في مجال الإنتاج وسواه ورفعه إلى مجلس الوزراء عبر الوزير لتصديقه.

اما بعد، فالى اين ملف الكهرباء اليوم تحت مطرقة ارتفاع الطلب وسندان ارتفاع ساعات التقنين؟ ما هو مصير البواخر المنتجة والمرسوم حولها علامات استفهام ؟ والى متى سينجح مجلس الوزراء في تفادي الصراع الداخلي بخصوصه؟ وهل هناك خوف من ان تكون خواتيمه غير سعيدة في ظل الضغط السياسي الحاصل الذي يستعجل الحلول القريبة؟