يعتقد العديد من المُحلّلين أن إقتراح مارين لوبين الخروج من اليورو هو السبب الأساسي لخسارتها في الإنتخابات الرئاسية. هذا الأمر تؤكده ردّة فعل الأسواق التي هلّلت لإنتخاب ماكرون وغيّرت من وضعيات المُستثمرين في الأسواق. لكن هل ستسّتمرّ هذه النفحة الإيجابية مع الإستحقاقات القادمة؟

 

إعتمدت المرشحة الرئاسية الفرنسية مارين لوبين إستراتيجية المُحافظين البريطانيين في برنامجها الإقتصادي والإجتماعي. فمن جهة وعدت بإعادة الرقابة على الحدود للحدّ من الهجرة ومن جهة ثانية وعدت بالخروج من اليورو لتكون بذلك المُرشّحة الوحيدة على القيام بهذا الطرح الجريء. المُشكلة التي واجهتها لوبين أن ردّة فعل الفرنسيين على هذه الطروحات لم تكن مثل ردّة فعل البريطانيين أثناء البريكزت. وبالتالي وعلى إثر العمليات الإرهابية التي طالت فرنسا قبل الدورة الأولى، إستجاب الفرنسيون كثيرًا لطروحات لوبين إلا أنهم لم يستطعوا تصوّر مُستقبل فرنسا من دون اليورو.

 

هذا الواقع دعمه العديد من رجال الأعمال والمُستثّمرين الذي وجدوا في هذا الطرح خطر كبير على الإقتصاد الفرنسي وخصوصًا على دينها العام الذي بلغ 2150 مليار يورو (96% من الناتج المحلّي الإجمالي). فالخروج من اليورو يعني أن على فرنسا تسديد دينها العام بالفرنك الفرنسي الذي كان من المُتوقّع أن تنخفض قيمته حكمًا بخروج فرنسا من اليورو. وبالتالي فإن حجم الدين العام الفرنسي كان ليزداد حكمًا مع فرق العملة.

 

إستطاع المُرشّح ماكرون الإستفادة من هذا الأمر من خلال الهجوم القوي (خلال المُناظرة التلفزيونية) الذي شنّه على هذا الطرح وأظهر معرفته القوية بالإقتصاد وبآلياته. وبالطبع لعب هذا العامل دورًا مُهمًا في إنتخاب ماكرون الذي رحّبت به الأسواق بشكل كبير من خلال إرتفاع سعر صرف اليورو في الساعات الأولى التي تلت إنتخابه وهبوط الذهب الذي راهن العديد من المُستثمرين عليه. فسعر صرف الذهب إنخفض في اليومين الماضيين إلى أدنى مُستوياته في الأسابيع الماضية ولامس الـ 1226 دولار للأونصة الواحدة. ولعب إنتخاب ماكرون دورًا في إرتفاع العائد على سندات الخزينة الأوروبية كما أن التوقعات الإيجابية عن النمو ونيّة الإحتياطي الفديرالي إلى دفعتبالدولار واليورو إلى التحسّن مقابل الين والفرنك السويسري والذهب.

 

وإذا كان اليورو قد حافظ على سعر الصرف مُقابل الدولار الأميركي نتيجة تضارب المعلومات الإيجابية بين أوروبا وأميركا، إلا أن وضعه مُقابل الين الياباني كان مُلفتها مع إرتفاع قارب الـ 11 ين لكل يورو.

 

على صعيد سوق الأسهم، أدّى إنتخاب ماكرون إلى إرتفاع في سوق الأسهم الأوروبية مع إرتفاع في مؤشّر الـ Stoxx600 والـ CAC40 والـ Dax30.

 

هذا الترحيب من الأسواق لا يخفي الصورة القاتمة التي يواجهها الإقتصاد الأوروبي مع أزمة الديون السيادية التي تتفاقم وتطال فرنسا، إيطاليا، إسبانيا، البرتغال، إيرلندا واليونان وقبرص. أضف إلى ذلك مُشكلة خروج بريطانيا من الإتحاد الأوروبي والتي حتى الساعة لا يُعرف مدى تأثيرها على الإقتصاد الأوروبي.

 

ومع غياب النمو، نرى أنه من الصعب جدًا إيجاد حلّ لمُشكلة الديون السيادية الأوروبية لأن النمو الإقتصادي هو الوحيد القادر على إمتصاص الديون. أضف إلى ذلك أن هيكلية الركود التي تضرب أوروبا حاليًا غير معروفة في علم الإقتصاد وبالتالي فإن إقتراح حلول للخروج من هذا الركود يبقى في مجال التنظير والتنجيم.

 

وحده الإقتصاد الألماني خرج من اللعبة رابحًا لدرجة أن هناك نقص في اليد العاملة في المانيا بقيمة مليون وظيفة شاغرة بحسب دراسة قام بها معهد الأبحاث عن العمالة IAB الذي قال أن القطاعات التي تحتاج إلى يد عاملة بشكل كبير هي اللوجستية، الصحّة والبناء. وبالتالي، نرى أن الإقتصاد الألماني هو في حالة من العزل عن التغيّرات السياسية والإقتصادية التي تُحيط به مما يدفع إلى توقع نسبة نمو 0.6% في الفصل الأول من العام 2017.

 

في المقابل لم يستطع الإقتصاد الفرنسي أن ينهض بنفس الزخم حيث سجّل 0.3% نموًا في الفصل الأول من العام 2017. وإذا كانت التوقعات بأن يكون النمو 0.5% في الفصل الثاني، إلا أنه وبإعتقادنا فإن الأمر يبقى رهينة الإجراءات التي سيتخذّها ماكرون والحكومة (إذا لم تطلّ مدّة تشكيلها) لجذب الشركات والإستثمارات. وهذا الأمر يبقى بعيد المنال في بلد ضربته العولمة وما زال الشقّ الإجتماعي فيه أولوية بالنسبة للناخب.

 

أمّا دول الإتحاد الأخرى فهي ترزح تحت عبء الديون السيادية وضعف النمو مما يجعلها بحدّ ذاتها عبئا على الإقتصاد الأوروبي خصوصًا أن الترابط العضوي بواسطة اليورو يفرض التضامن بين الدول الأوروبية من خلال شراء البنك المركزي الأوروبي لسندات خزينة تابعة لهذه الدول لإستمراريتها ومنعها من الإفلاس.

 

يبقى القول أن الإتحاد الأوروبي يواجع مُشكلة الإينرثيا حيث أن هناك بلد وحيد ينمو بشكل مُلفت في حين أن الدول الأخرى تتأرجح تحت عبء الديون السيادية وضعف النمو. وبالتالي فإن المطلوب اليوم إستراتيجية أوروبية موحّدة لأوروبا تمنع المضاربة فيما بينها وتدفع إلى التكامل مع إشتداد المُنافسة الصينية والأميركية واليابانية والهندية. هذه الإستراتيجية هي الوحيدة القادرة على جعل أوروبا معادلة إقتصادية صعبة في عالم أصبح دينه العام أعلى من مدخوله.