تتسلّط الأنظار على الجلسة المُقبلة لمجلس الوزراء حيث من المُتوقّع أن يكون بند التجديد لحاكم مصرف لبنان على جدول أعمالها. ويُعوّل لبنان كثيرًا على علاقات رياض سلامة الدولية وعلى كفاءته المهنية ليُنقذ لبنان من ثقل لائحة العقوبات الأميركية على حزب الله والتي ستصدر الشهر المُقبل. فماذا سيفعل سلامة بعد التجديد له؟

أشارت المعلومات الصحفية والتحاليل التي رافقتها إلى أن لائحة العقوبات الأميركية الجديدة على حزب الله تشملّ أسماء مناصرين وحلفاء للحزب من بينهم نواب ووزراء وقياديين. وتضمّ اللائحة أيضًا أسماء رؤساء وأعضاء بلديات إضافة إلى العديد من الجمعيات الخيرية التي تتهمها الولايات المُتحدّة الأميركية بتسهيل أعمال حزب الله. ولرجال الأعمال والشركات حصتهم في اللائحة حيث من المُتوقّع أن يكون الوزن الإقتصادي لهذه الفئة أكبر بكثير مما كان عليه في اللائحة الأولى.

هذا الأمر يفرض حذرًا كبيرًا في تطبيق العقوبات من ناحية أن التطبيق العنيف سيؤدّي حتمًا إلى إصطدام داخلي قد تكون عواقبه غير محمودة. وبما أن المعني بالتطبيق هي المصارف اللبنانية، لذا يأتي دور حاكم مصرف لبنان رياض سلامة ليلعب دور العازل بين التطبيق العنيف وبين إلزامية التطبيق.

التجديد لرياض سلامة فرض نفسه تحت تأثير عدّة عوامل:

أولًا – المُحافظة على الثبات النقدي في وقت يتخبط فيه لبنان سياسيًا جراء عدم التوافق على قانون الإنتخاب والشلل الحاصل حاليًا في القرار الإقتصادي والمالي. فالفترة القادمة محفوفة بالمخاطر وهذا الأمر يُشكّل ضغطًا على الليرة اللبنانية، وبالتالي فإن أي تغيير بالسياسية النقدية في المرحلة المُقبلة سيُشكّل مُغامرة سيدفع ثمنها 750 ألف موظف لبناني يقبضون رواتبهم بالليرة اللبنانية.

ثانيًا – إدارة مرحلة العقوبات الأميركية على حزب الله والتي تأتي في وقت غير مناسب على الإطلاق. ومن غير رياض سلامة وما له من علاقات جيدّة مع الأميركيين قادر على إدارة هذه الأزمة والتخفيف من وطأتها على الإقتصاد اللبناني وعلى القطاع المصرفي اللبناني؟ ألم يُصنّف الأميركيون رياض سلامة من أفضل حكام المصارف المركزية في العالم؟

ثالثًا – المهارات التقنية التي يمتلكها رياض سلامة والتي وبفضلها إستطاع الحفاظ على سعر صرف ثابت لليرة اللبنانية على الرغم من الزلازل التي ضربت لبنان سياسيًا وأمنيًا من إغتيال الرئيس الحريري إلى الشغور الرئاسي مرورًا بعدوان تموز 2006، وأحداث 7 أيار، والأزمة السورية. هذه المهارات شغلت وتُشغل العديد من المُحلّلين الذي ينقسمون إلى قسمين: منهم (أكثرية) من يؤيد الخطوات التي يقوم بها رياض سلامة بحكم أنها تؤمّن الثبات النقدي ومنهم (أقلّية) من يُهاجم لأسباب عديدة كالطمع بالمنصب أو جراء عداء للنهج الإقتصادي الذي يتبعه رياض سلامة.

رابعًا – شخصية رياض سلامة التي إستطاعت شقّ طريقها في المحافل الدولية وكسبت ثقة المنظّمات الدولية (البنك الدولي، صندوق النقد الدولي...) كما وداخليًا عبر الثقة التي يضعها اللبنانيون بشخص رياض سلامة.

هذه الأسباب دفعت بفخامة رئيس الجمهورية كما والقوى السياسية إلى إعادة تجديد الثقة برياض سلامة في منصبه كحاكم مصرف مركزي قادر على مُساعدة لبنان في هذه المرحلة السياسية الحرجة. هذه الثقة ستُترجم الأسبوع المُقبل بالتجديد لرياض سلامة لولاية جديدة وأخيرة.

عمليًا يبقى السؤال عن نوع الإجراءات التي سيقوم بها رياض سلامة لإستيعاب تداعيات لائحة العقوبات الأميركية؟ الجواب بالطبع ليس سهلًا وسنُحاول طرح بعض الخطوط العريضة للإستراتيجية التي سيتبعها سلامة.

 

خارجيًا...

بإعتقادنا من أولى الخطوات التي سيقوم بها رياض سلامة هي التواصل مع الأميركيين (إحتمال كبير أن يكون هذا الأمر قد بدأ منذ مُدّة) لمعرفة تفاصيل القانون الأميركي الجديد ومُحاولة التأثير في صياغته مدعومًا من قبل فخامة رئيس الجمهورية والحكومة اللبنانية. هذا الأمر يفرض الدخول في التفاصيل التقنية لآلية تطبيق العقوبات من دون التدخّل في الأسماء لأن لا قوة للبنان ولا للمسؤولين اللبنانيين على تغير الأسماء.

تُشكّل آلية تطبيق العقوبات الأميركية التحدّي الأكبر لرياض سلامة، فكيف يُمكن لمصرف لبنان مثلًا أن يتعامل مع بلدية إذا ما كان إسم رئيسها أو أعضائها على لائحة العقوبات؟ أو كيف يُمكن دفع معاشات المسؤولين إذا ما تمّ حظر فتح حسابات بالليرة اللبنانية في المصارف لهؤلاء المسؤولين؟ كلها أسئلة سيطّرحها رياض سلامة والأصعب أنه مُلزم إيجاد حلّ لها.

أيضًا هناك مُشكلة الحظر على بعض الأنشطة الإقتصادية وعلى الشركات من نوع Offshore والتي ستؤثّر حتمًا على التبادل التجاري بين لبنان والعالم. فهل سيجد رياض سلامة طرق للإلتفاف على القانون الأميركي أم سيكون هناك حظرّ تام لهذه الأنشطة؟

وتبقى المخاوف من أن تشملّ العقوبات مسؤولين عمليين (Operational Managers) في الدولة اللبنانية والتي ستفرض تعقيدات في التعامل في بعض المرافق العامّة.

 

داخليًا...

من المُتوقع أن يعمد رياض سلامة إلى خلق آليات عمل خاصّة بالمصارف للتعامل مع الحالات التي ستظهر بين عملائها. وبإعتقادنا وعلى عكس المرة السابقة حيث طلب رياض سلامة في تعميمه الشهير رقم 137 أن تلتزم المصارف بالكامل بتطبيق العقوبات على مسؤوليتها الخاصّة، من المُتوقّع أن يعمد هذه المرّة إلى التدخّل في آلية التطبيق الداخلية للمصارف تفاديًا لتطبيق عنيف من قبل المصارف يدفع إلى مواجهات داخلية ومن جهة أخرى يضّمن تطبيق كامل للقانون الأميركي.

أيضًا نتوقّع أن يعمد سلامة إلى تنسيق أكبر مع السلطات السياسية وبالتحديد فخامة رئيس الجمهورية الذي أظهر إستيائه من لائحة العقوبات والتي تأتي في وقت غير مناسب. هذا التنسيق سيطال الحكومة اللبنانية أيضًا والتي سيكون لها دور فعّال أكثر من الحكومة السابقة.

بإختصار يُمكن القول إن مُهمة رياض سلامة والإجراءات التي سيتخذها ستتمحور حول إلتزام لبنان بالقوانين الدولية وعلى رأسها القانون الأميركي وفي نفس الوقت المُحافظة على السلمّ الأهلي من خلال التخفيف من وطأة هذه العقوبات.