يُظهر تقرير النزاهة المالية العالمية(Global Financial Integrity) أن قيمة التدفقات المالية غير المشروعة التي طالت لبنان ما بين العامين 2004 و2012 هي 20 مليار دولار أميركي. هذا الرقم يجب أن يُشكّل صدمة للطبقة السياسية لأخذ التادبير اللازمة لوقف النزف في المالية العامّة.

في علم الإقتصاد، التدفقات المالية غير المشروعة هي عبارة عن هروب رؤوس الأموال غير المشروعة التي تمّ الحصول عليها أو نقلها أو إنفاقها بصورة غير مشروعة. ويُراد من هذا الهروب أن يتمّ محو مصدر هذه الأموال.

يتمّ القيام بتدفقات مالية غير مشروعة بعدة طرق وبشكل لا تظهر فيه في الحسابات الوطنية (National Accounts) ولا في ميزان المدفوعات (Balance of Payments). وتشمل هذه الطرق التسعير الخاطئ للسلع، التحركات النقدية الكبيرة،وتهريب بضائع دون دفع الرسوم الجمركية أو بضائع ممنوع التجارة بها.

 

الفساد المُستشّري في البلدان في طور النمو، وسهولة الحصولعلى رؤوس الأموال في هذه البلدان، يجعل مشكلة التدفقات المالية غير المشروعة تقعّ بالدرجة على عاتق هذه الدول من ناحية أن الأموال عادة تخرج منها لتصب في حسابات خاصة في الدول المُتطوّرة وتُصبح بعدها هذه الأموال شرعية.

 

المُشكلة الأساسية في التدفقات المالية غير المشروعة لا تكمن فقط بعدم شرعيتها (تُخالف القوانين)، بل بتأثيرها المُدمّر على الإقتصاد وعلى محاربة الفقر في الدول في طور النمو. والطبيعة السرّية لهذه التدفقات وعدم دخولها في الحسابات الوطنية وميزان المدفوعات، يجعل تقييمها صعب جدًا. لذا تمّ اللجوء إلى طرق حسابية تعتمد على تشبيك المعلومات من عدة دول كما وإحصاءات (econometrics) لتقدير هذه التدفقات وإيجاد الطرق المُناسبة لمحاربتها.

 

 

طريقة تخمين التدفقات المالية غير المشروعة

 

هناك عدّة طرق يستخدمها أهل الإقتصاد لتقدير هذه التدفقات المالية، نذكر منها طريقة البنك الدولي (WB Residual Model) والطريقة التي يعتمدها صندوق النقد الدولي (DOTS-based Trade Mispricing Model).

 

تستخدم مُنظّمة النزاهة المالية العالمية (GFI) منهجية تعتمد على قناتين أساسيتين كمدخل لتقييم التدفقات المالية غير المشروعة: (1) سوء الفوترة للبضائع (Misinvoiving of Trade - GER)، و(2) التسريبات من ميزان المدفوعات (leakages from the balance of payments - HMN).

 

 

وتقوم مُنظّمة النزاهة المالية العالمية بقياس سوء الفوترة للبضائع من خلال منهجية "GER" والتي تُسلّط الضوء على الفجوات بين تصاريح الدول من إستيراد وتصدير من وإلى العالم. وبالتالي يُمكن تقييم هروب روؤس الأموال والتهرب الضريبي من خلال هذا الفارق.

أمّا تسربات ميزان المدفوعات فيتمّ قياسها من خلال المقاسة للأخطاء والحذف الذيين يتمّان في ميزان المدفوعات (Hot Money Narrow - HMN).

وجائت نتاج تقرير مُنظّمة النزاهة المالية العالمية في العام 2015، لتُظهر أنه خلال عشر سنوات (من العام 2004 إلى العام 2013) خسرت الدول في طور النمو ما يفوق الـ 7.8 تريليون دولار أميركي بمعدّل سنوي 655 مليار دولار أميركي مع أرقام تفوق التريليون دولار أميركي في الأعوام 2011 إلى العام 2013.

وبحسب المنُظمّة خسر لبنان على الفترة المُمتدة من العام 2004 إلى العام 2012، 19914 مليار دولار أميركي (28.5 من الدين العام) أي بمُعدّل 2.2 مليار دولار سنويًا!

 

 

ماذا تعني هذه الأرقام؟

 

إن تحليل هذه الأرقام، يُظهر أن سوء الفوترة للبضائع يُشكلّ 19 من مُجمل التدفقات المالية غير المشروعة. وبحسب النظرية الإقتصادية، فإن سوء الفوترة هو عبارة عن شكل من أشكال تبييض الأموال خاصة أن الفواتير يتمّ وضعها من قبل المعنيين أو من قبل شريك أخر (شركة في بلد من بلدان العالم الثالث). ويترافق هذا الأمر مع تغيير السعر، الكمّية، والنوعية للبضائع عبر إفساد موظفي الدولة وبمساعدة خبراء في مجال التهرب الضريبي.

 

 

أيضًا تُظهر الأرقام أن 81 من مُجمل التدفقات المالية غير المشروعة، تبقى غير معروفة المصدر لكن يتمّ رصدها من خلال تصحيح ميزان المدفوعات. وبحسب تحليلنا، نرى أن ما يُقارب الـ 60 من هذه الـ81 تأتي أيضًا من التهريب عبر الحدود لعمليات لا يُمكن رصدها لا من قريب ولا من بعيد نظرًا لأن مصدر هذه البضائع غير معروف. وبالتالي فإن أي محاولة لمُقارنة تصاريح التصدير والإستيراد بين الدول لا يُمكن أن يُعطي نتيجة دقيقة نظرًا لأن المصدر غير معروف.

 

 

وما يدعم هذا التحليل هو أن نسبة سوء الفوترة للبضائع على مُجمل الدول في طور النمو يبلغ 83.4 بحسب تقرير مُنظّمة النزاهة المالية العالمية. مما يعني أنه وبحسب قانون "الأعداد الكبيرة" في علم الإحصاء، هناك إحتمال يفوق الـ 95 أن يكون لبنان في هذه الحال.

 

أيضًا هناك تعليل أخر يدعم هذا التحليل وهو أن العديد من الدول الإقليمية تأتي على رأس لائحة البلدان التي تحوي القيمة الأكبر للتدفقات المالية غير المشروعة وبالتالي ومع عدم السيطرة على الحدود، هناك إحتمال كبير أن يكون مصدر هذه التدفقات من هذه الدول أي بمعنى أخر أن حصة لبنان من هذه التدفقات محصية مع باقي البلدان المُجاورة.

 

أيضًا يُمكن القول إن تقرير مُنظّمة النزاهة المالية العالمية لا يأخذ بعين الإعتبار سوء الفوترة للخدمات التي تطوّرت بشكل كبير جدًا في العقد الماضي. ولبنان يُصدّر خدمات بقيمة 13 مليار دولار أميركي سنويًا، لذا من المُمكن أن يكون سوء الفوترة للخدمات هو التبرير لهذا الفارق بين نتائج لبنان والدول في طور النمو الأخرى.

 

تداعيات هذه الأرقام

 

مما لا شكّ فيه أن التدفقات المالية غير المشروعة تحرم الإقتصادات في الدول في طور النمو من موارد مالية هي بأشدّ الحاجة لها. وبالتالي فإن المُشكلة التي تظهر هي حرمان الإقتصاد من أموال لو أُستثمِرت في الإقتصاد، لكانت أمّنت نموًا مُستدامًا وساهمت في محاربة الفقر عبر تخفيض البطالة ورفع الدخل الفردي.من هنا نرى ضرورة أن تعمد السلطات إلى ضبط الحدود كافة لأن خسائر الإقتصاد اللبناني نتيجة الفساد هائلة كما تُظهره الأرقام.

وفي الختام لا يسعنا القول إلا أن الجمارك هي الحارس للسيادة المالية للدوّلة كما هو الجيش للسيادة الجغرافية للدولة. ونتمنّى على الحكومة إعطاء الجمارك كل الوسائل (مادية، قانونية، وتقنية) للقيام بمهامها على أكملّ وجه دفاعًا عن سيادة لبنان المالية التي تُستباح سنويًا بقيمة 2.2 مليار دولار أميركي.