كما في السياسة كذلك في الاقتصاد ، العالم ليس بخير. والمثل اللاتيني يقول : "ان الإقتصاد هو العلاج للفقر... L'économieest le remède de l'indigence".

في الحقبة الماضية، كان بعض الدول ينمو ويكبر حجم اقتصاده على حساب دول اخرى تذهب الى الانكماش او الركود وحتى ابعد الى الإفلاس . الا انه اليوم هذا القطار يسير في معظم الاتجاهات ويكاد لا يوفّر بلداً . وبالطبع لبنان لم يفلت منه سيما وان كل المؤشرات الاقتصادية فيه تؤكد دخوله الى دائرة الخطر.

لبنان وضعاً اقتصادياً مقلقاً في هذ ه المرحلة التي يطلق عليها البعض مرحلة انتقالية لا احد يعرف مداها ونهايتها، وعما سيكون بعدها النهوض ام الإفلاس. فمداخيل معظم اللبنانيّين العاملين بأجر، وحتى أصحاب المؤسّسات الصغيرة والمتوسطة، في انحدار مستمروتتّسع معها نسَب اللبنانيّين الذين ون عند حدود الكفاية وحافة الفقر. فضعف هذه المداخيل في المطلق، وسوء توزّعها الطاغي يشكِّلان سببين وجيهين من أسباب ضعف النمو الاقتصادي. ويندرج لبنان بذلك في سياق الأزمة التي يعانيها عموماً الاقتصاد العالمي.

الاقتصاد العالمي اليوم هو اما في ركود وإما في انكماش؟ ولكن لبنان اين هو من الاثنين؟

ما هو الإنكماش في البداية ؟

الإنكماش الاقتصادي deflation حالة تصيب الحياة الاقتصادية نتيجة سياسة متعمّدة في غالب الأحيان، يميل معها مستوى الطلب الكلي ليغدو أدنى من مستوى العرض الكلي، مما يؤدي إلى تقليص الفاعليات والتداول النقدي، وارتفاع قيمة العملة الوطنية وكلفة القروض، مع ميل مستوى الأسعار والأجور نحو الانخفاض.

إن مصطلح الإنكماش حديث في الفكر الاقتصادي مثل مصطلح التضخمinflation. ففي المرحلة التي غلبت فيها المدرسة الكلاسيكية كان الإنكماش ملحوظاً بوصفه نوعاً من الكساد الاقتصادي يحدث مؤقتاً بانتظار عودة التوازن العفوي بين العرض والطلب، أي بين الإنتاج والاستهلاك إلى حالته الطبيعية. لكن دخول الإقتصاد الرأسمالي في أزمات دورية منذ عام 1825 لفت النظر إلى ظاهرة الإنكماش بوصفها وجهاً من أوجه الأزمة يظهر قبل الركود.

مهما يكن الأمر فإن الحدود التي يمكن حصر الإنكماش فيها هي حدود العرض والطلب الكليين: كلما نزع الأول نحو الارتفاع نسبة إلى الثاني كان هناك انكماش، والعكس في التضخم، بغض النظر عن الأسباب التي أدت إلى ذلك. ومن هنا أيضاً كان الإنكماش أمراً ملحوظاً في كل الاقتصاديات، رأسمالية كانت أم اشتراكية أم نامية.

وابعد من ذلك الإنكماش الاقتصادي (Recession) هو تراجع الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي (المصَحح من التضخم) خلال فصلين متواليين (ستة أشهر) على الأقل.

وتعد هذه الحالة إحدى مراحل الدورة الاقتصادية التي تتعاقب مع مرحلة النمو، غير أن طول مدتها أصبح هما مقلقا لصناع القرار في الاقتصادات الرأسمالية.

وحينما يدخل بلد ما في مرحلة انكماش اقتصادي فإن ذلك يكون مصحوبا بآثارعدة تدل عليه، منها على سبيل المثال:

- انخفاضالطلب الإجمالي بسبب تراجع الاستهلاك والاستثمار.

- ارتفاع أعداد الشركات التي تكون في حالة إفلاس بسبب انخفاض الطلب الموجه إليها.

- ارتفاع معدلات البطالة بسبب تسريح الشركات للعمال وعجز الاقتصاد عن خلق وظائف وفرص عمل جديدة.

- انخفاض قيمة الأصول(الأسهم والعقارات مثلا) بسبب انحسار نشاط المضاربة وتعرض الأسعار للتصحيح التقني.

- انخفاض الإيرادات الضريبية التي تحصلها الدولة بسبب تراجع الاستهلاك وأرباح الشركات.
واما لناحية الاسباب فيوجد العديد من الأسباب التي من الممكن أن تؤدي منفردة أو متضافرة- إلى انكماش النشاط الاقتصادي وتراجع الإنتاج:

- الصدمات الخارجية التي يتلقاها الاقتصاد من خلال تراجع الطلب الخارجي على المنتجات المحلية، أو تقلص أعداد السياح الوافدين، أو انخفاض تحويلات العمال المقيمين بالخارج، أو ارتفاع أسعار السلع الأولية والطاقة المستوردة مثل النفط.

وتؤدي جميع هذه الصدمات إلى تراجع الطلب الإجمالي، وينخفض مستوى الإنتاج تبعا لذلك.

يختلف الانكماش عن الركود Stagnation في أن الأول، وإن اتسم بتباطؤ الفاعليات، ينتظم في مجموعة من التدابير التي من شأنها إعادة التوازن إلى الاقتصاد، أمّا الركود فهو حالة تجتاح الاقتصاد فيصاب بانخفاض الإنتاج فارتفاع الأسعار ووقوع البطالة، وتنعكس آثار ذلك كله على الحياة الاجتماعية. وقد يختلط الركود بالتضخم فيدعى آنذاك بالركود التضخمي Stagflation وهي الحالة التي تسيطر اليوم على اقتصاديات الدول الرأسمالية، إذ يقترن التضخم النقدي بالركود الاقتصادي. وإذا كان الانكماش هو الوجه الآخر للتضخم، فإن الركود هو الوجه الآخر للازدهار Prospérité . لكن لابد من الإشارة أيضاً إلى أن الانكماش، حينما يستوطن، يؤدي إلى الركود ومن هنا جاءت بعض الالتباسات في تحديد كل منهما.


ولكن اين هو لبنان من الاثنين؟

 

زمكحل

يعتبر رئيس تجمع رجال وسيدات الأعمال اللبنانيين في العالم RDCL WORLD))الدكتور فؤاد زمكحل ان الانكماش الاقتصادي هو عالمي ومستمر منذ الازمة المالية العالمية ، ولكنه يختلف بين منطقة واخرى في الاسباب والحلول. ففي منطقة الشرق الاوسط ، الأمر مرتبط بانخفاض سعر برميل النفط من 100دولار الى 50دولاراً كمعدل عام فيما ان الموازنات اعدت على اساس السعر الأعلى . وهذا ينسحب على كل بلدان الخليج وغيرها من الدول المنتجة والمصدرة . كما انه في الشرق الاوسط هناك عبء حروب اقليمية مختلفة متنقلة

تدور رحاها في سوريا وليبيا واليمن والعراق، فضلا عن حرب باردة بين إيران والسعودية، يدفع ثمنها لبنان، في ظل حروب اجتماعية وفقر مدقع، وحوادث أمنية تبدأ من تركيا مع التفجيرات الامنية في اسطنبول وعدة مناطق دون ان تنتهي في مصر حيث فجّر الارهاب غضبه مؤخرا داخل الكنائس .

فالبلدان التي غيّرت انظمة الحكم فيها مازالت تعيش هاجس الارهاب الوحشي مما ينعكس على الاقتصاد وهروب الاستثمارات المحلية والخارجية الى بيئات حاضنة وآمنة ، وهذا بالطبع تكون نتيجته تراجع في السيولة وارتفاع في نسبة المخاطر.

وفي لبنان ، اليوم السياسة في ازمة كبيرة ، والكل يترّقب الى ما ستؤول اليه الأمور وهذا ينسحب على الوضعين الاقتصادي والاجتماعي . ونحن كرجال اعمال نلفت الى: اولاً : ان الاتفاق السياسي الذي حصل واثمر عن انتخاب رئيس للجمهورية وتبعه تشكيل حكومة اتحاد وطني لم يترجم على الارض انتعاشاً في الاقتصاد . وكل المؤشرات تسجّل التردي الحاصل بدءأ من الاحجام عن توظيف الاستثمارات الجديدة الى انحدار في ثقة المستهلك . ونحن ندرك ان العجلة الاقتصادية بدأت بالتوقف في لبنان منذ سنواتبفعل تراكم الازمات السياسية . والانفراج الذي تم بعد طول انتظار لم يشجع على توظيف الاستثمارات ، كما ان النمو لم يشهد اي تحسّن ، بل البطالة واصلت ارتفاعها لتصل عند النساء العاملات فقط الى نسبة 38%. اليوم كل العائلات تعيش في ضائقة كذلك الشركات والمؤسسات.

ثانيا: ان الاقتصاد اللبناني ليس في جزيرة ولا بمنأى عن كل ما يدور من حوله . ومن الطبيعي ان تتجه التوظيفات الى بلاد اكثر استقراراً . ونحن ندفع ثمن كل هذه المشاكل وخصوصا الحرب السورية التي خلفّت اعباء كبيرةوخطيرة.

ويقول الدكتور زمكحل : انا افضّل اطلاق تسمية ركود على الواقع الاقتصادي وليس انكماش. اذ ان هذا الاخير يكون لوقت محدد بينما نحن ما زلنا نعاني من تراجع في النمو منذ فترة غير قصيرة ، وهو في حدود 0،1% . والمخاطر السيادية تزداد مقابل تراجع مردود الاستثمارات في المشاريع؛ فكيف نكون في وضع انكماش؟

 

المخارج

وعن ابرز المخارج المساعدة على انهاض الاقتصاد يؤكد ان الاستثمار هو الأولوية . واليوم الشركات الصغيرة والمتوسطة تشكل 86% من حجم الاقتصاد الوطني، وهي بسسب هذه الظروف تقرر اما الاقفال واما التوّجه الى التأسيس في الخارج .

من هنا، يجب إطلاق يد القطاع الخاص، الذي وحده لديه القدرة المالية على تمويل المشاريع المثمرة في لبنان، وتوفير القروض الميسّرة للشركات الصغيرة وضخ السيولة التي من شأنها إنقاذ البلد من الإفلاس.

كما يجب علينا التعلم كيفية العمل ضمن مجموعات، لخلق التآزر الإنتاجي، والتحالفات الاستراتيجية التي من شأنها أن تكون بمثابة نقطة انطلاق والسماح لنمو أكثر من ذلك بكثير ضمن مجموعات وليس بشكل فردي. كما يجب ان يكون الاعتماد على الذات.

للأسف، نحن نعتمد دائماً على الغير . هذا ما اعتدنا عليه ، من هنا اصبح واجباً علينا اتخاذ القرارات الاقتصادية المناسبة كما حصل في عدد من البلدان.كما لايمكن اغفال ما نملكه من طاقات في مجال الابتكار والمعرفة .لطالما كان رجل الأعمال اللبناني وسيظل مبدعا ومبتكرا معترف به عالميا، ورائدا يتمتع بروح المغامرة لكسب أسواق جديدة، وبلدان جديدة، وقارات جديدة، مهما كانت المخاطر والصعوبات . فنحن اكتسبنا خبرة في ادارة الازمات وفي سرعة التأقلم مع اي تطور . وهذا لا نجده في بلد آخر.

وكرجال اعمال في لبنان والعالم قمنا بجولات مختلفة في بلدان عانت الازمات مثل

أفريقيا، وتركيا، والأردن، والمملكة العربية السعودية، وغيرها ..ونجحنا في السابق بشكل منفرد ، واما اليوم حان الوقت للعمل بصورة جماعية . مما سيسمح لنا باجتياز الازمة.

واخيراً ،على مر كل المراحل السياسية التي عرفها لبنان والتي سيشهدها، تبقى الحكمة في ان يدرك المسؤولون اهمية الحفاظ على الاقتصاد القوي الذي يؤمن موردالعيشالى الجميع ؛

فالمطلوب أن تنصبَّ الجهود العامة والخاصة على تطوير القطاعات الإنتاجية في الصناعة والزراعة والحِرَف وتقنيات المعرفة التي تخلق فرص العمل ، وتوّظف الشباب وتحرّك الدورة الاقتصادية بكاملها، فضلاً عن تشجيع الاسثمارات ووضع حد للفساد والهدر .