يبدو ان موضوع تمويل سلسلة الرتب والرواتب دخل كزوبعة في فنجان سيما، وان ما توصلت اليه اللجان النيابية المشتركة من تحديد لسقفها بـ1200 مليار ليرة مع توحيد الجدول للعسكريين والاساتذة والاداريين سيلقى سيلاً من الاعتراضات داخل الهيئة العامة في مجلس النواب بعد ربطها بسلة من الضرائب الموجعة، وهي ستطال بدون اي شك الطبقات المتوسطة والفقيرة وتعطل الاقتصاد المريض،رغم ان محاولات البعض ربط اقرارها باصلاحات يبقى امراًغير محسوم لجهة الالتزام به، بعد بقائها شعارات يكتفي الجميع بالمطالبة بها.

واللافت في امرالاقتراحات المعروضة لمصادر تمويل السلسلة وسد العجز في الموازنة الذي يبقى في الضفة الموازية حصد اجماع معظم الخبراء الاقتصاديين على اعتبارها مصادر مؤذية للمجتمع اللبناني وضربة قاضية على الاقتصاد الذي هو في رحلة تفتيش طويلة عن النمو المطلوب.

النمو في رأي أكثر الاحصاءات تفاؤلا لم يتعد في السنوات الثلاث الماضية الـ 1.5%، كما أن الدين العام يفوق السبعين مليار دولار، فضلا عن ارتفاع عجز الموازنة في لبنان الذي يصل تقريبا إلى ثلث الناتج المحلي الإجمالي البالغ 51 مليار دولار.
كما ان عجز الميزان التجاري في العام 2016 بلغ 15.7 مليار دولار باستيراد بلغ 18 مليار و700 مليون دولار وتصدير بـ 2.9 مليار دولار، وسط تراجع تدفق الرساميل ،وارتفاع معدلات البطالة إلى نسب غير مسبوقة وغير معقولة وصلت إلى 35% في صفوف الشباب.

ويقابل هذا الواقع القاتم اغراق للسوق اللبناني ببضائع ومنتجات مدعومة على مستوى الكلفة والشحن في بلاد المنشأ بما يحد من قدرة المصنع اللبناني التنافسية في السوق المحلي. هذا طبعا الى رزمة معوقات فنية وجمركية وغيرها من الحواجز التجارية تحت تسميات متعددة تعيق تصديرالسلع اللبنانية وتحد من الطاقات التسويقية في الأسواق الخارجية.

ولايغيب عن بالنا الوضع العقاري غير السليم والذي بدأ يخشى فعليا من تجربة الفرقعة العقارية بسبب تفوّق العرض على الطلب بدرجات واسعة رغم الحوافز المؤمنة من مصرف لبنان ،ورغم ايضا خطوات تخفيض الفوائد على القروض الاسكانية المقدمة من كل من مصرف الاسكان والمؤسسة العامة للاسكان.

كيف ستنعكس هذه الضرائب التي اقرتها اللجان النيابية المشتركة لتمويل السلسلة وانعكاسها على الشركات والمصانع والاقتصاد ككل؟

الخبير الاقتصادي البروفسور جاسم عجاقة يقول لـ" الاقتصاد":الضريبة هي حق للدولة على المواطن. وهذا معروف ومنصوص عليه في النظريات الإقتصادية. إلا أن هذا الحق يفرض واجبات على الدولة وأولّها تأمين خدمات للمواطنين. وكلنّا يعلم أن هذه الخدمات ليست على مستوى الضرائب التي يتمّ فرضها في مشروع موازنة العام 2017.

المشكلة المطروحة أن السلسلة ووارداتها تتم دراستها في اللجان النيابية في حين أن مشروع الموازنة يتمّ درسه في مجلس الوزراء. وهذا الأمر يعني أن السلسة (إنفاق) وتمويلها (واردات) يتمّ فصلها عن الموازنة التي تحوي كل نفقات الدولة ووارداتها! هذا الأمر وحده يُشكّل نظرة مُجتزئة لمشروع الموازنة ولا نعلم إذا ما كان سيتمّ فرض الضرائب داخل مشروع الموازنة أو في مشروع مُنفرد يضمّ السلسلة.

وبالعودة إلى سلّة الضرائب التي أُقرّت، نرى الشق الأكبر يطال الفقراء (أنظر إلى الجدول) وذلك بدءًا من الضريبة على فوائد الودائع وصولًا إلى الرسوم على الطوابع والفواتير مرورًا بالضريبة على القيمة المُضافة. وهذا الأمر سيكون له تداعيات إجتماعية من ناحية،لأن رفع الضريبة على القيمة المُضافة سيؤثر على أسعار المحروقات التي سترفع بدورها الأسعار بين 10 و15% خصوصاً أن الرقابة في لبنان غير قادرة على مراقبة الأسعار على كامل الأراضي اللبنانية. هذا الإرتفاع سيؤدّي بدوره إلى تقليص القدرة الشرائية للمواطن اللبناني ومعه الإستهلاك وبالتالي النمو الإقتصادي.

 

القطاع العقاري وتصنيع الادوية

على صعيد الشركات نرى أن القطاع العقاري مُستهدف وذلك من خلال ضرائب تطال الأرباح العقارية، الأسمنت ورخص البناء. وهذا الأمر يذهب بعكس السياسة التي يتبعها مصرف لبنان لتحفيز القطاع العقاري وخفض الفوائد للطبقة الفقيرة. أيضًا نلحظ إستهدافًا لقطاع الأدوية الذي يعمل كل من وزير الصحّة ووزير الصناعة على دعمه من خلال مصانع الأدوية، واللائحة تطول...

على كل الأحوال يُمكن القول أن السلّة الضرائبية سيئة للشركات والمواطن تُضعف الإقتصاد لصالح سدّ العجز مع العلم أنه يتوجّب دعم الإقتصاد بشقيّه الإستثمار والإستهلاك بهدف تحفيز النشاط الإقتصادي ،  وبالتالي زيادة مداخيل الدولة اللبنانية من الضرائب التي تزيد حكمًا مع زيادة النشاط الإقتصادي.

و من المعلوم ان هناك تهربا ضريبيا كبير  في لبنان واي اجراء ضريبي جديد سيوّسع شريحة المتهرّبين بطريقة او بأخرى او حتى انه قد يسفر عن اقفال العديد من المؤسسات التي لا يسمح حجم اعمالها بتحملاي زيادات ضرائبية .
كيف ستزيد الضرائب من حجم التهرّب او حتى كيف ستؤدي الى اقفال المؤسسات التجارية والصناعية والسياحية والصحية؟

يقول البروفسور عجاقة : التهرّب الضريبي هو أحد المحاور الذي كان يتوجّب على الحكومة اللبنانية العمل عليه لتحسين الإيرادات وخصوصاً أن حجم التهرّب يتراوح بين . و مليار دولار أميركي سنويًا وذلك من خلال رفع السرّية المصرفية لصالح مديرية الضرائب في وزارة المال. لكن مع غياب الإصلاحات ومع هذه السلّة الضريبية سنشهد إرتفاعًا للتهرب الضريبي في كل النشاطات الإقتصادية. كما سيتمّ صرف عمّال لبنانيين لحساب عُمّال أجانب نظرًا لقبول الأجانب بالحصول على  أجورهم نقدًا وسهولة عدم التصريح عنهم، وبالتالي عن نشاطات الشركات الفعلية.
أيضًا سنلاحظ أن المؤسسات السياحية من فنادق ومطاعم ستضرّر بعد تطبيق هذه السلّة، وذلك نتيجة رفع الأسعار على المشروبات والتبغمما سيؤدّي إلى إقفال العديد منها.
في مطلق الاحوال، تمويل السلسلة في مكان وسد العجز في الموازنة في مكان آخر، فيما ان المواطن مسمّر في مكانه ينتظر من اين ستأتيه الضربات هذه المرة  كما ان الاقتصاد يحجز مكانه في خانة الانكماش الطويل فيما انه كان يأمل النهوض مع العهد الجديد  .