مع تمديد عقود مقدمي الخدمات في قطاع توزيع الكهرباء لاربع سنوات يطرح سؤال عن مصير العدادات الذكية التي كان يفترض تركيبها خلال المرحلة السابقة والانتهاء منها في شهر نيسان 2014 ، ويستتبع ذلك اسئلة كثيرة عن اسباب عدم التركيب .


حددت العقود مع مقدمي الخدمات البرنامج الزمني الأساسي لمراحل مسار العدادات الذكية ، فيبدأ التركيب في أيلول 2012 على ان ينجز  33% منها في شهر نيسان 2013 ، وينتهي التركيب الكامل للعدادات (100%) في شهر نيسان 2014 .


منذ شهر آب 2012 بدأت الشركات الثلاث التي تتولى المشروع بتقديم المستندات العائدة للعدادات الذكية بهدف الحصول على الضوء الأخر للمباشرة بتركيب العدادات، ولكنها دخلت مع مؤسسة كهرباء ​لبنان​ في أخذ ورد وطلبات استيضاح ومستندات اضافية وفحوصات مختبرية مكثفة لمدة عامين كاملين حتى شهر اذار2014 ، وهو الموعد المبدئي الانتهاء من التركيب ، اعطت خلالها المؤسسة الموافقة الفنية على العدادات الذكية المقدمة .
هذه الموافقة الفنية جاءت مشروطة باجراء مشروع تجريبي لحوالي 1000 عداد لكل من الشركت الثلاث وهذا ما لم يكن ملحوظا في العقد . وافقت الشركات على تنفيذ المشروع التجريبي باعتباره يساعد على التأكد من ملاءمة هذه العدادات مع شبكة التوزيع اللبنانية واجراء التعديلات الطفيفة عليها وتكييفها مع الشبكة اذا اقتضى الامر. ولم يكن ابدا مطروحا ان يكون المشروع التجريبي ممرا لقبول او رفض العدادات المقدمة ، على اساس ان القبول بها قد تم سابقا .


قامت الشركات بتنفيذ المشروع التجريبي وركبت كل منها  1000 عداد وتم الانتهاء منها في شهر ايلول 2013  وقام وزير الطاقة آنذاك جبران باسيل بتفقد هذا المشروع التجريبي شخصيا. وفي شهر نيسان 2014 أصدرت مؤسسة كهرباء لبنان آلية اجراء الفحوصات على هذه العدادات ، اي بعد سبعة اشهر من تركيبها ، كما تم اجراء الفحوصات المكثفة على العدادات لمدة تفوق السنة ، وتبع ذلك طلبات اضافية من ايضاحات ومستندات وورش عمل متعددة دون ان يصدر اي قرار نهائي بموضوع العدادات الذكية.

 

رغم ذلك بقيت الأمور على حالها حتى مطلع العام 2016 اذ ارتأت مؤسسة كهرباء لبنان تعيين شركة TECNALIA  لتقييم نتائج فحوصات المشروع التجريبي وإبداء رأيها بالعدادات الذكية المقترحة. وقد اصدرت تلك الشركة على الأقل تقريرين في 10 شباط 2016 و28 شباط 2016 وقد كانت خلاصتهما ايجابية . لكن العام 2016  انقضى ولم تبدأ عملية تركيب العدادات الذكية .


هذا ما يؤشر الى وجود اسباب أخرى غير فنية ، اسباب لا تتعلق بالتجارب المخبرية والتقنية ، ولا بتقارير الخبراء الاجانب ، وخصوصا من كهرباء فرنسا . اسباب تتصل بالواقع السياسي في لبنان . وللتذكير ان مشروع مقدمي الخدمات برمته  تأخر انطلاقه لاربعة اشهر ونصف الشهر في العام 2012 بسبب اضراب المياومين السابقين لدى كهرباء لبنان ، واحتلالهم لمبنى الادارة المركزية ، ثم تعطل  مرة أخرى لحوالى خمسة اشهر في اضراب مماثل عام 2016 ، جرى هلاله تهجير مجلس ادارة الكهرباء الى معمل الذوق .


الاهم من ذلك ، وهنا بيت القصيد ، ان مؤسسة كهرباء لبنان استخلصت من التفاوت في أداء الشركات الثلاث التي تتولى المشروع ، انها ليست جيمعها قادرة على تنفيذ الشق المتعلق بتركيب العدادات الذكية ، كل في منطقتها ، علما انه وفق المشروع فان لبنان مقسم الى ثلاث مناطق : الاولى تضم جبل لبنان الشمالي ومحافظة الشمال ، الثانية تضم بيروت والبقاع ، والثالثة تضم جبل لبنان الجنوبي والجنوب . والمشروع لا يمكن ان يستكمل الا في كل لبنان ، لتحويل كل شبكة الكهرباء الى شبكة ذكية مرتبطة بمركز التحكم في المقر المركزي لمؤسسة الكهرباء في بيروت . 


هذا التفاوت لا يعود بالضرورة الى تقاعس بعض الشركات وانما لظروف المنطقة التي تعمل فيها ، واذا كان نفوذ قوى الامر الواقع طاغيا فيها ام لا ، وهي قوى تحمي في الغالب عمليات السرقة الكبيرة التي تجري للتيار الكهربائي ، وتغطي مافيات المولدات ، حيث تباع الكهرباء المنتجة في معامل كهرباء لبنان على اساس انها من المولدات .


بالاضافة الى ذلك فان مؤسسة كهرباء لم تتمكن من الحصول على موافقة وزارة المال على تمويل مشروع مركز التحكم بالشبكة الذكية ، ويقال ان الاسباب سياسية .


كل ذلك جعل مؤسسة كهرباء لبنان تمرر الوقت من أجل تهيئة الظروف السياسية والمالية والامنية والاجتماعية للشروع في مشروع ثوري من شأنه أن يقضي نهائيا على هدر الطاقة المنتجة ، اذ تصل كمية الكهرباء المهدورة لاسباب فنية وغير فنية (السرقة ) الى خمسين في المئة .


فما هو هذا المشروع الثوري وما هي فوائده .


المشروع يقضي باستبدال العدادات الميكانيكية الحالية بعدادات ذكية لجميع المشتركين في كهرباء لبنان ، مجانا ، وتتحمل المؤسسة الكلفة كاملة ، لان من شأن زيادة ايراداتها بشكل كبير ، بالاضافة الى استرداد كل الطاقة المهدورة لاسباب فنية على الشبكة . 


العداد الذكي هو عداد كهربائي إلكتروني (ديجيتال) يسجّل استهلاكَ الطاقة الكهربائية خلال فتراتٍ زمنيةٍ متتالية ويُرسل هذه المعلومة لأغراض المراقبة والفوترة الى مركز التحكّم في مؤسسة الكهرباء. كما يمكّن العداد الذكي الإتصالَ المتبادَل بين مركز التحكّم في المؤسسة والعداد.

 

وتتعدّى فوائد العدادات الذَكية عملية قراءة الاستهلاك عن بُعد، والتي تعني عدمَ الحاجة الى إرسال قارئ للعداد، إلى تحقيق ميزات عدّة للمستهلك ومقدِّم خدمة الكهرباء على حدٍّ سواء، بالقدرة على التأكّد من سلامة العداد آلياً وضمان ودقة الفواتير، وتوفير معلومات مفصَّلة للمستهلك عن استخدامه للكهرباء عبر الشاشة الإلكترونية التي تمكّنه من معرفة استهلاكه اليومي أو الشهري من دون أن يحتاج لمراجعة فاتورته الوَرَقية الشهرية.

 

وهذا ما يساعده على تعديل أسلوب الاستهلاك لخَفْض فاتورة استهلاكه. كما توفّر العدادات الذكية مرونة عالية لعملية فصل الخدمة الكهربائية وإعادتها عن بُعد.

 

الى ذلك، تساعد العدادات الذكية على تحسين أداء الشبكة الكهربائية عموماً عن طريق الحدِّ من فقدان الطاقة من الشبكة بما يسمى الهَدر الفنّي (20 في المئة من الطاقة ) وهو مختلف عن الهَدر الناتج عن السرقة، إذ تقوم مؤسسة الكهرباء بتحليل المعلومات التي ترسلها العدادات الذكية يومياً ما يعطي دلائل هامة على حالة الشبكة ويمَكّن المؤسسة من تنظيم وتوزيع الحمولة على مختلف المخارج والمحوِّلات ومن وضع المشاريع الاستثمارية اللازمة لإعادة تأهيل وتحديث الشبكة المتهالكة.

 

ومن جهة ثانية فإنّ العداد الذكي يَحدّ جَذرياً من التعدّي على الشبكة الكهربائية، لأنّ نظام العدادات الذكية يحدِّد بدقة مناطقَ التعليق على الشبكة ما يساعد مؤسسة كهرباء لبنان على توجيه فِرق نزع التعدّي الى الاماكن المناسبة.

 

بالاضافة الى ذلك فإنه من المستحيل التلاعب بالعدادات الذكية كما كان يحصل في العدادات الميكانيكية التقليدية، لأنّ العداد الذكي يقوم بفصل التيار تلقائياً في حال محاولة التلاعب ولا يمكن إعادة التيار إلّا من قبل فنّيي شركة كهرباء لبنان.

 

كما يمكن قطع التيار الكهربائي مباشرة من خلال مركز التحكّم عن المشتركين في حال عدم سداد الفواتير الشهرية. وهنا أيضاً فإنّ وقفَ الهدر غير الفنّي (السرقة) الذي يشكل حوالى 30 في المئة من كمية الطاقة المنتِجة، سيوفّر للخزينة مئات ملايين الدولارات سنوياً.

 

وهكذا تؤمّن العداداتُ الذكية المصلحة العامة من خلال سدِّ مزاريب الهَدر في موازنة كهرباء لبنان، وتؤمّن مصلحة كلّ مشترك من خلال فَوترة سليمة لاستهلاكه، ولن يتحمّل المواطن أيّ تكاليف إضافية لأنّ العداد الذكي سيُرَكّب مجاناً.