بدأت قصة نجاح بديع عبلة في عمر الثالثة والعشرين حين قرر تأسيس شركته الخاصة "Nobrand"؛ فكان صغير السن وكبير الطموح، وأكد بذلك على أن النجاح في متناول اليد، في أي مرحلة عمرية، وأن كل ما يحتاج إليه الإنسان لتحقيق أحلامه، هو اتخاذ المواقف والقرارات الصحيحة!


مسيرة عبلة هي رحلة خمسة عشر عاماً من العمل الجاد المتواصل، إنه ثابر وسهر وتعب حتى وصل إلى ما هو عليه. وبات اليوم يُعتبر نموذجا مهما وقدوة واضحة، للعديد من الشباب، لتشجيعهم على تحقيق النجاحات والإنجازات المهنية في حياتهم.


هو لبناني ذات أصول أرجنتينية، بدأ مسيرته المهنية من خلال تأسيس شركة "Nobrand"، واكتسب خبرة واسعة في عالم العلامات التجارية العالمية الفاخرة، من خلال تعاونه مع المصمم اللبناني العالمي إيلي صعب، "Bugatti"، "GinzaFashion Dubai"، وغيرها.


في العام 2004، كتب المبادئ التوجيهية لجوائز "Pan Arab Web". أما في العام 2006، فحاز على جائزة "Taschen"، وعرضت تصاميمه في الكتاب العالمي لأفضل الشعارات، وفي "Taschen Best Website"، مما جعل من "Nobrand" أول وكالة لبنانية وعربية، تظهر في منشورات "Taschen" العالمية.


حبه للحياة يتجاوز التصميم، ويتجلى في عالم فن الطهو، فأطلق في العام 2007، المدونة الالكترونية "BeirutRestaurants.com"، التي أثمر نجاحها في حفل "Vanguardist" الذي نظمه عبلة في العام 2011، وأحضر ستة طهاة من مطعم "El Bulli"، وهو أحد المطاعم الحائزة على نجمة "ميشلان رقم 1". وهذا الحدث الناجح أسهم في حجز مكانة للبنان على خريطة السياحة الطهوية. واليوم يشارك بديع عبلة في لجنة تحكيم "World Top 50 Restaurants" في بريطانيا.


أما "The Blue House" في بيروت فهو بمثابة متحف حي يضم جميع الأشياء التي يحبها، مثل المنحوتات، واللوحات، وقطع الأثاث، التي تشكل انعكاسا لشخصيته وحبه للحياة، وإيمانه بقوة الحياة الجميلة. كما يضم مجموعة واسعة من الشاي الحرفي والعضوي، المختار بعناية من قبل أخصائيين دوليين.

 

رائد الأعمال بديع عبلة خصّ "الإقتصاد" بهذه المقابلة الحصرية:

 


- ما هي أهم المحطات التي مررت بها وصولاً إلى ما أنت عليه اليوم؟


حصلت على شهادة جامعية في التحاليل الطبية المخبرية، وكنت بصدد الإستحصال على درجة الماجستير في الصحة العامة، لكنني قررت بدلاً من ذلك، التخصص في مجال التسويق، وحصلت على ماجستير في إدارة الأعمال. وخلال ذلك الوقت، شاركت في العديد من الندوات والمؤتمرات المتعلقة بالتصميم، من أجل اكتساب الخبرات اللازمة.

 


- لماذا قررت الإنتقال بشكل مفاجئ من الطب إلى التصميم والتسويق؟


في بعض الأحيان، لا يعلم الإنسان بماذا يريد التخصص، منذ بداية مسيرته المهنية. لذلك عندما يكتشف المجال الذي يستهويه حقاً، عليه أن ينتقل إليه؛ وخير البر عاجله!

 


- وكيف قررت تأسيس "NOBRAND"، "BeirutRestaurants.com" و"Blue House Tea"؟


شركاتي الثلاث كانت وليدة الحاجة، وبالنسبة إلى شركتي الأولى "Nobrand"، فأسستها في العام 2006، وبدأت بتصميم المواقع الإلكترونية. ومنذ ذلك الحين، أعمل على حساب المصمم اللبناني العالمي إيلي صعب. وهذا النوع من العمل، أسهم في توسيع نطاق الشركة ونشر اسمها بشكل أكبر.


من ناحية أخرى، عندما كنت أبحث عن مطاعم في بيروت، كتبت عبارة "restaurants in Beirut" في محرك البحث، لكنني لم أحصل على أية نتيجة؛ ومن هنا جاءت فكرة اطلاق "BeirutRestaurants.com" في العام 2007، الذي هو بمثابة دليل على الانترنت للمطاعم في مدينة بيروت. وبدأنا أولا للتسلية، ولكن مع الوقت عملنا على تطوير المشروع حتى بات تجاريا. وبدأ الناس بوضع الإعلانات، ومتابعة المدونة عبر مواقع التواصل الاجتماعي.


أما فكرة "Blue House Tea"، فجاءت الفكرة منذ ثلاث سنوات، لكن المشروع انطلق فعلياً في العام 2014، لأننا احتجنا إلى بعض الوقت للتحضير. وهذا العمل هو ثمرة النضج والبلوغ في المهنة، فبعد أن عملت واكتسبت خبرات عدة، وعرفت تماماً ماذا أحب، عمدت إلى مزج حبي للضيافة، وللعلامات التجارية، وللتعبئة والتغليف.

 


- ماذا تعني لك جائزة "UK Hospitality LUX Awards 2016" التي حصلت عليها مؤخراً بفضل شركة "Blue House Tea"؟


هذه الجائزة تعني لي الكثير، لأنها تفسر كيفية إنشاء علامة تجارية فاخرة في أقل من عام؛ وهذا ما نقوم به في "Nobrand".


ففي عام واحد، تمكنا من تثبيت اسم "Blue House Tea" في السوق، حتى بات الناس يفكرون أنها عالمية. وهذا يدلّ على أن تقديم الصورة الصحيحة والإيجابية لأي علامة التجارية، يؤدي للدفع بهذه العلامة إلى الأمام.
ولا بد من الإشارة إلى أنني استخدمت موهبتي لابتكار علامة تجارية فاخرة، تقدم منتجاً سريع الإستهلاك، يؤدي في الواقع، إلى تفاعل مختلف. فلقد بدأت بالعمل على الأرض من خلال "Blue House Tea"، في حين أن أعمالي السابقة كانت إلى حد ما افتراضية، وتعتمد على العالم الرقمي. وبالتالي أصبحت على تواصل مباشر مع الناس، وهذا الأمر أفضل بكثير، ومن الجميل أن يختبر الإنسان هذا الشعور، لأن التواصل يؤدي إلى تحسين باقي الشركات، وإلى التعرف إلى طريقة تفكير العملاء.

 

 


- ما هو سر نجاحك ونجاح مشاريعك الثلاثة؟ وما هو الإنجاز الأكبر الذي حققته إلى حد اليومعلى الصعيد المهني؟


الأهم أن يفهم الشخص المستهلك، وهذه موهبة يجب العمل دوما على صقلها. لكنني ركزت بشكل أساسي على إطلاق رؤية محددة خاصة في "Blue House Tea" و"Nobrand".


ولقد واجهت خطراً كبيراً من خلال التخصص في العلامات التجارية الفاخرة، خاصة في ظل الوضع المالي المتأزم في العالم. لذلك عملت على الإنفتاح على أسواق أخرى. والنجاح الأكبر بالنسبة لي، هو القدرة على خلق مفهوم كهذا، والمحافظة عليه، وتطويره وتوسيعه.


أما العوامل التي جعلت شركاتي قادرة على المنافسة فهي التمركز في السوق، وتوسيم الأسواق.

فـ"Nobrand" هي شركة متخصصة (niche)، باتت مشهورة للغاية في الخارج، وانتشارها الخارجي ساعدها في الحفاظ على الإستقرار المالي. في حين أن "Blue House Tea" متخصصة أيضا، لكنها تقدم منتجاً فاخراً بأسعار معقولة وفي متناول الجميع. أما بالنسبة إلى "Beirutrestaurants" فهو شعبي بحت وموجه لجميع الناس. وسيتحول قريباً من دليل، إلى مدونة الكترونية (blog)، مهمتها أن تعكس ثقافة لبنان، وتجمع البلد بنشاطات ومهرجانات عدة. وبالتالي سيكون حياديا وعاماً.


ولا بد من القول:إن أكبر دليل على نجاحي، يكمن في استمرارية شركاتي الثلاث؛ فالإستمرارية هي أكبر إنجاز، وأكثر أهمية من الجوائز.

 


- برأيك ما هي مقومات الرجل الناجح في مجال الأعمال؟ وما هي الصفات الشخصية التي ساعدتك على الوصول إلى أهدافك المهنية؟


يجب أن يتحلى الرجل الناجح بالهدوء والرصانة في التفكير. كما علية مراجعة قراراته كافة، والإستماع إلى الرأي الآخر. فالشخص الذي يرفض الإصغاء إلى آراء الآخرين، من المحتمل أن يقوم بقرار خاطئ.

 


- ما هي أبرز العوائق والصعوبات التي شهدتها وكيف عملت على تخطّيها؟


في "Beirutrestaurants" شهدنا على عام ذهبي في 2010، وكانت المطاعم تضع الكثير من الإعلانات، بسبب وجود عدد كبير من السياح. ولكن عندما واجهت هذه المطاعم مشاكل بسبب تراجع عدد القادمين إلى لبنان، خفّضت كمية الإعلانات، ما أدىإلى تغيير هيكلية الموقع ونموذج العمل.


كما أن الوضع السياحي المتراجع أثر على "Nobrand" من ناحية الفنادق، لأن صناعة الضيافة اختفت، والفنادق وقعت في مصاعب عدة. لكن انفتاحنا على الخليج، وأوروبا، ولندن، ونيويورك، ساعدنا على الإستمرار.

 


- هل أن عمرك الصغير أثّر على وجودك العملي من ناحية ما؟


نعم بالطبع، فأنا أسّست شركتي الأولى بعمر ثلاث وعشرين سنة، منذ ذلك الوقت وحتى بلغت سن الثلاثين، بقي بعض الناس يعتبرون أنني صغير. إنما تمكنت من إثبات نفسي من خلال النتائج التي حققتها. لكنني أقول أحياناً أنني موظف في شركتي الخاصة، لأن هذا الواقع أسهل للإستيعاب لدى بعض الأشخاص.
ولا بد من الإشارة إلى أن العمر الصغير في لبنان، لا يزال يشكل تحدياً كبيراً، بينما في نيويورك ولوس أنجلس مثلا، يجدون الأمر عادياً، خاصة في مجال التكنولوجيا. لكن السوق في لبنان مغلق، ولا يوجد تفاعل كبير مع الخارج، لذلك على الإنسان الإتكال على نفسه من أجل التوسع؛ وهذه الصعوبة تواجهها جميع الشركات المحلية.


وأنا أشكر الله لأننا تمكنا من التعامل مع شركات وجهات مهمة ومعروفة، أوصلتنا إلى عملاء آخرين. لكن اليوم بات أصعب على الشركات الجديدة أن تتوسع إلى الخارج، وأصبحت بحاجة إلى الإستثمار بشكل أكبر، لأن السوق يتغير يوماً بعد يوم، وعلى الإنسان أن يواكب الأمر، ويتدارك تغيرات السوق.

 


- يقولون أن ضريبة النجاح هي التقصير تجاه جانب ما من جوانب الحياة، هل شعرت يوماً بالتقصير تجاه حياتك الخاصة والإجتماعية بسبب انشغالك بالأعمال؟


نعم بالطبع، ففي أول عشر سنوات، خسرت نمط حياتي المعتاد، لكنني أحاول تغيير هذا الواقع، منذ حوالى أربع سنوات، والأمور تتحسن أكثر فأكثر يوماً بعد يوم.


لكن هذا الوضع بحاجة إلى المزيد من التنظيم، من أجل تخصيص الوقت الكافي للعطل، ودوام العمل.
إشارة إلى أن الإنسان عندما يكتسب خبرة واسعة في مجال عمله، يصبح لديه نضج في كيفية التعامل مع العمل، وكيفية إضافة أعمال ونشاطات ضرورية إلى نمط حياته.

 


- ما هي طموحاتك ومشاريعك المستقبلية على الصعيد المهني؟


لا أعتزم حالياًإطلاق مشاريع جديدة، بل أسعى إلى خلق المزيد من الإستقرار لكل شركة.

 


- أين تجد نفسك اليوم على مقياس من واحد الى عشرة؟


بالنسبة إلى لبنان، لقد وصلت حتماًإلى الرقم 8، لأن الطابع الفريد لشركاتي الثلاث، يجعل قصة نجاحي فريدة من نوعها.

 


- هل تعتبر أن الحظ كان حليفك في مسيرتك المهنية؟


أحياناً يكمن الحظ في كيفية النظر إلى الحياة، فالإنسان يحصل دوماً على الفرص الصغيرة والكبيرة، وبالتالي إذا اعتبر أن هذه الفرص هي دليل على الحظ السعيد، فسيجذب بذلك المزيد من الحظ إلى صفه. لكن بالنسبة لي، أشعر حتماً أنني محظوظ في الحياة!

 


- إستنادا إلى مسيرتك المهنية الطويلة والغنية بالأحداث والنجاحات، ما هي النصحية التي تقدمها إلى الشباب اللبناني؟


أنصح كل شخص أن يخطط لكل شيء! فالأمور تغيرت اليوم، وبالتالي يجب التعرف إلى حاجة السوق.
أما بالنسبة إلى الشركات الناشئة، فأنصح أصحاب المشاريع أن يكتسبوا الخبرة اللازمة قبل تأسيس شركاتهم الخاصة، لأن لبنان ليس نيويورك أو وادي السيليكون، وبالتالي عليهم العمل على الأقل لمدة ثلاث سنوات، من أجل تركيز وصقل مهاراتها، وفهم طريقة سير العمل.


لذلك لا أنصح أي خريج جديد بأن يسرع إلى تأسيس شركته الخاصة، لأن المسيرة تبدّلت اليوم، لذلك عليه التريث. وبالتالي فإنه بعد اكتساب الخبرة المطلوبة سيفهم كل شخص اتجاهه الخاص، وسيكوّن مستوى من الوعي يخوله أن يفهم طموحاته وأهدافه المحددة، وأن يتعرف إلى كيفية تحقيقها. من هنا تجدر الإشارة إلى أن الخطوة الأولى هي البحث في الأسواق، وفهم احتياجات السوق.


وفي النهاية لا بد من القول أننا جميعناًنحب بلدنا لبنان، وإذا تمكن اللبناني من تنفيذ طموحاته في بلده فليبقى هنا، ولكن اذا حصل على فرص مناسبة في الخارج فليستغلها، ولكن يبقى دوماً متمسكا في جذوره!