سيقفل العام 2015 صفحات اخر ايامه والعالم يعيش حالة رعب وخوف من الارهاب الذي يهددّه في كل بقاع الارض لاسيما اوروبا التي شرّعت ابوابها مؤخراً للنازحين من الحروب الدامية في المنطقة ولاسيما سوريا.

في بداية العام 2015 ، استمرت  اوروبا تصارع من اجل النهوض من الانكماش الاقتصادي. واليوم الوضع اصبح  مزرياً و يوحي بازمة اقتصادية جديدة واخطر من سابقاتها سيما في منطقة ​اليورو​؛ فهناك أزمة تتجسد في ارتفاع نسبة البطالة و انخفاض القدرة الشرائية  التي يرافقها تخفيضات يومية في الأسعار نظرا للركود الدائم مع حسومات تصل الى حد ال 50%.

والابرز ان هناك دول أوروبية تريد الخروج من الوحدة الأوروبية والعودة الى التعامل بعملتها الأصلية و التخلي عن اليورو لانها كانت تساند اليونان التي سقطت في الافلاس.

باختصار المشهد الاوروبي غير مطمئن في قارة اعطت دوماً الاولية للانسانية ولحقوق الانسان.

 

ولكن السؤال اين تصبّ ارتدادات هذا التأزم  اقتصاديا ؟

اي لبنان المنفتح على اوروبا كيف سيتأثر بهذه التراجع خصوصا ً وان أوضاعه ليست بأفضل حال؟

لاشك ان لبنان بلد مدوّلر، وبالتالي فان ارتفاع سعر الدولار مقابل العملات الأخرى له مفعول ايجابي على الاقتصاد من نواح عدة: فنحن نستورد أكثر من 60 في المئة من السلع باليورو، وعلاقتنا باوروبا تجاريا قوية، وبالتالي فإن انخفاض سعر اليورو مقابل الدولار يخفف من فاتورة الاستيراد. واذ اننا نصدّر بالدولار، فاننا نعزّز فاتورة التصدير.

ايضا، كلما انخفض اليورو تحسّن وضع لبنان؛ لان شريحة كبيرة من اللبنانيين تقبض بالدولار، وتشتري باليورو، خصوصاً ان لبنان يستورد معظم حاجاته من اوروبا كما تم ذكره سابقاً. وبالتالي نحن نستورد من اوروبا ونصدّر الى دول الخليج المرتبطة بالدولار.

ولكن هذا ليس كل شيء.

 

د. غسان العياش

 

الاقتصادي ونائب حاكم مصرف لبنان سابقاً  د.غسان العياش يقول "للاقتصاد" ان المؤشرات المتلاحقة تلقي ظلالا قاتمة على أداء الاقتصاد الأوروبي. الأزمة المستمرّة لم تعد تقتصر أسبابها على الديون السيادية التي تجاوزت في كثير من بلدان الاتحاد الأوروبي خطا أحمر رسمته معاهدة ماستريشت التي أسّست الوحدة النقدية سنة 1993. يبدو أن خروج رؤوس الأموال، بصورة خاصّة بسبب ضعف اليورو وأداء الأسواق المالية، يضعف مصادر تمويل الاقتصاديات الأوروبية التي لعبت دورا أساسيا في نموّها سابقا.

الأرقام الرسمية المنشورة تبيّن المنحى التراجعي لأداء الاقتصاد الأوروبي، وتظهر أن المعالجات المالية والنقدية لا تستطيع وقف التدهور. بلغ معدّل النموّ في الفصل الأوّل من العام الجاري 0.5% وتراجع إلى 0.4% في الفصل الثاني، وهو في حدود 0.3% في الفصل الثالث.

الاقتصاد الفرنسي، ثاني اقتصاد أوروبي، بلغ دائرة الركود في الربيع الماضي ولكنه تحسن ليصل نموّه إلى 0.3% حاليا. بالمقابل، فإن الاقتصاد الألماني، أقوى اقتصاد أوروبي، تراجع نموّه من 0.4% في الفصل الثاني إلى 0.3% في الفصل الثالث، كما تراجع الاقتصاد الإيطالي، ثالث اقتصاديات القارة، من 0.3% إلى 0.2% في نفس الفترة.

لا يزال المصرف المركزي الأوروبي يمارس سياسة نقدية "تيسيرية" لمواجهة التراجع الاقتصادي. هذا ما أكده رئيس المصرف السيد مارغو دراغي. ورغم صدمة السلطات، لاسيما السلطة النقدية، من النتائج المخيّبة، فإن هناك تصميما على مواصلة الجهود لمنع وصول أي دولة أوروبية إلى حافة الانهيار أو خروجها من الوحدة النقدية. وتتضمن التدابير توفير التمويل "الرخيص" للمصارف والدفع باتجاه ضعف اليورو.

 

 

الارتدادات على لبنان

ويضيف : بشكل عام، لا يتأثر الاقتصاد اللبناني سلبا بتطورات الاقتصاد الأوروبي . بل على العكس من ذلك، فإن تراجع سعر صرف اليورو يخفّف العجز التجاري في لبنان، لكون أوروبا هي مصدر أساسي لوارداته. ولا تشكل أوروبا مصدرا للتمويل في لبنان، حيث التدفقات الرأسمالية منها ضعيفة، كذلك تحويلات اللبنانيين التي تعتمد بصورة أساسية على اللبنانيين المنتشرين في الخليج العربي وافريقيا. أما السياحة اللبنانية فلن تتأثر بشكل ملموس، بسبب ضعف عدد السياح الأوروبيين أصلا نظرا للأوضاع الأمنية في لبنان والمنطقة.

ولكن أوروبا كانت دائما مصدرا للمساعدات والقروض السيادية ذات الفوائد المتدنية للدولة، وهذا ما تظهره قرارات باريس- 2- وباريس -3-، والمساعدات للجيش اللبناني وتمويل عدد من مشاريع التنمية بفعل العديد من الاتفاقيات الثنائية مع الدول الأوروبية.

بالتالي، ففي زمن الأزمة الأوروبية لم يعد بإمكان الدولة أن تعتمد على كرم الدول الأوروبية. ومن سوء طالع لبنان أن العاصفة الاقتصادية تضرب أوروبا بالتزامن مع التقشف المتنامي في موازنات الدول الخليجية بسبب تراجع أسعار النفط، في وقت تزداد حاجة لبنان إلى العون المالي الخارجي مع تفاقم مشكلة اللاجئين السوريين.

هذه الظروف الخارجية تفرض على لبنان أكثر وأكثر أن يعتمد على نفسه، بتحقيق الاستقرار السياسي والأمني وإطلاق عجلة مؤسّساته الدستورية المعطلة، وعدم تأخير الإصلاح المالي والاقتصادي أكثر مما تأخر.

 

 

انخفاض النفط

في غضون ذلك ، لابد من التذكير ان انخفاض سعر النفط هو من أبرز التحديات الاقتصادية التي يواجهها لبنان، كون هذا الانخفاض يؤثر على حركة الاقتصاد في الخليج، منبع التحويلات الى لبنان التي  تشكل نحو 60 في المئة من اجمالي تحويلات المغتربين. واصبح وارداً أن تتأثر هذه التحويلات نتيجة التباطؤ الاقتصادي الممكن أن ينتج عن هذا الانخفاض في سعر النفط. لكن في الوقت نفسه، هذا التراجع في سعر النفط، اذا ما ترافق أيضا بانخفاض في اسعار المواد الأولية الأخرى المرتبطة به، سيحدّ من الآثار السلبية في حال حصل تراجع في التحويلات تجاه لبنان، ما يجعل ميزان المدفوعات ايجابيا.

 

ملف النزوح السوري

والى جانب ذلك،  لا يمكن اغفال ملف النزوح الذي هو بحد ذاته  عبء ثقيل على اقتصاد لبنان واستقراره الاجتماعي. ودراسة البنك الدولي أظهرت أن هناك كلفة مباشرة على الدولة في حدود المليار دولار سنويا، وأخرى غير مباشرة تصل إلى 3 مليارات ونصف مليار دولار.

لا يمكن للبنان الذي يعاني أصلاً من  مشكلات في البنى التحتية أن يتحمّل العدد المتزايد للاجئين. كذلك إن التحسن في الحركة التجارية الناجم من استهلاك النازحين، لا يعوّض المبالغ التي يتكبدها لبنان سنوياً، فضلاً عن أن التبرعات التي أقرّت في اجتماعي نيويورك وباريس لمعالجة ملف النزوح، لم تكن في المستوى المطلوب، وفي الوقت عينه يريد المجتمع الدولي ابقاء أبواب لبنان مفتوحة أمام النازحين. هذه الأمور تواجهها الدولة وهي غير قادرة على تحمّل الكلفة المرتفعة بمفردها.