جمانة مدلج هي مصممة غرافيكية مع خبرة في الطباعة والوسائط المتعددة، هدفها التعبير عن الإبداع بشكل واضح. تعلمت جوهر الخط الكوفي، أي الحرف العربي الأول المصور بطريقة جميلة، من الخطاط سمير الصايغ، خلال سنوات طويلة من التعاون الوثيق. وتمكنت من اعطاء حياة جديدة الى هذا الفن التقليدي، وليس مجرد نسخ أو إحياء أشكاله القديمة، بل إيجاد لغة معاصرة له، اضافة الى تكريس العلاقة الفريدة بين الخط الكوفي والهندسة.


تعيش جمانة حاليا في لندن حيث تستكمل رحلتها مع الكوفي، وتعمل على الجمع بين الطرق الخيميائية القديمة وتقنيات الليزر الحديثة. تتواجد أعمالها، كمجموعات خاصة وعامة، في المملكة المتحدة والولايات المتحدة والشرق الأوسط. وكانت قد تعاونت مع المتحف البريطاني والـ"BBC"، كما تعطي الدروس في "المركز العربي البريطاني"، وتنظم ورش العمل في مختلف المدارس والجامعات.


"الاقتصاد" التقت مع مؤسسة العلامة التجارية "Majnouna"، جمانة مدلج، للحديث عن مسيرتها المهنية وسبب هجرتها من لبنان للعمل في لندن، اضافة الى رؤيتها لواقع المرأة اللبنانية اليوم من الناحية الاجتماعية والسياسية.

 


- أين كانت البداية ومتى؟


البداية الفعلية لمسيرتي المهنية كانت عام 2013 في لندن، لكن قصة "Majnouna" بدأت قبل ذلك بكثير.
"Majnouna" هي التجسيد الثالث للموقع الالكتروني الذي أطلقته عام 1996، بغية عرض أعمالي على الانترنت. في ذلك الوقت، كنت لا أزال طالبة، لكنني استفدت من إمكانيات شبكة الإنترنت بمجرد أن وصلت الى لبنان. وهذا الموقع كان من أول المواقع الالكترونية الشخصية في البلاد، وعمدت فورا الى استخدامه لدعم مسيرتي الإبداعية المستقبلية.


اشارة الى أنني لم أحصل يوما على أي تمويل، اذ تعلمت إعداد الصور لوحدي في ذلك الوقت، وتطورت جنبا إلى جنب مع شبكة الإنترنت. وحتى يومنا هذا، لا أزال أقوم بكل شيء بنفسي. فأنا أفضل العمل على موقع بسيط يمكنني تعديله في أي وقت، من العمل على شيء فاخر وغير ضروري يجعلني أعتمد على طرف ثالث.

 

 

 

- لماذا أسميت العلامة التجارية "Majnouna"؟


"Majnouna" هو الجناس الناقص من اسمي جمانة، ولقد احتفظت بهذا الاسم لأنه يحتوي على رنين جميل، وسهل التذكر والتهجئة. كما أنه كان مناسبا، لأنني كنت أستعد للقيام بقفزة مجنونة نحو المجهول، أي انتقالي للعيش في المملكة المتحدة، لأنني لا أمتلك أي ضمانات أو احتياطات؛ فلا مدخرات أو خطط بديلة، ولا أملك شيئا سوى إيماني بفني.

 


- من هم زبائن "Majnouna"؟ وكيف تواجهين المنافسة؟


لدي قاعدة واسعة جدا من العملاء، من ثقافات وميزانيات مختلفة، والنقطة المشتركة الوحيدة بينهم هي اهتمامها بعملي؛ فهناك جامعي الأعمال الفنية الذين يهتمون بالفنانين الناشئين، ويفهمون أنني أقدم شيئا جديدا تماما مع الخط العربي. كما هناك طلاب اللغة العربية، ومحبي الهندسة، والأشخاص الذين ينجذبون إلى أعمالي لأسباب روحانية، اضافة الى أناس لا علاقة لهم باللغة العربية.

 


انما لا أعتبر نفسي في منافسة، ليس لأنني مميزة أكثر من غيري، بل لكوني فنانة، ولأن كل فنان فريد من نوعه، وبالتالي لا نتنافس للحصول على الجمهور نفسه. فالناس الذين ينجذبون الى أعمالي، لن يهتموا بأعمال أخرى، والعكس بالعكس. لذلك لا أضيع وقتي في محاولة الحصول على اهتمام شخص ليس مهتما بما أقوم به.
أنا على دراية من التجارب السابقة، أن الفنانين في لبنان تنافسيين للغاية، ويشعرون بالتهديد من قبل بعضهم البعض، وهذا الأمر غريب وغير صحي، كما يعزز الغرور بدل التطور. انما الوضع أكثر انسجاما في الخارج، حيث يحرص الفنانون على التعلم من بعضهم البعض، ودعم وتشجيع بعضهم البعض. اذ هناك مكان للجميع، واذا واجه الفنان صعوبة ما، فليس بسبب "المنافسة"، بل لأنه بحاجة إلى تحسين قدراته كفنان.

 


- هل تمكنت من ايصال تصاميمك الى خارج لبنان؟


تلاقي تصاميمي نجاحا على الصعيد الدولي، أكثر من الوطن، حيث لا يوجد سوى جزء صغير من الأشخاص الذين يتمتعون بالحس الفني، ويهتمون بالخط العربي.

 


- ما هي الصعوبات التي تواجهك خلال العمل في هذا المجال؟


في لبنان، الصعوبة الأساسية تكمن في غياب المكان الذي ينمّي الرحلة الفنية؛ فإما على الفنان اتباع القطيع إلى وكالة إعلانية ما، أو مرافقة قطيع آخر في هيئة متمرد بوهيمي. ولا فرصة لأي شيء بينهما!


أما في لندن، حيث بدأت مسيرتي فعلا، فالصعوبة كانت في البدء من نقطة الصفر، في ظل غياب العلاقات المهنية، أو سيرة ذاتية مهمة محليا، أو حتى أموال. والصعوبة الرئيسية ما زالت المال، لأنني فنانة أعمل لحسابي الخاص، في المدينة الأكثر غلاءا في العالم. لذلك فإن بلوغ نسبة المبيعات المحددة شهريا تشكل تحديا كبيرا.

 


- هل تعرضت يوما الى أي تمييز في اطار العمل لمجرد كونك امرأة؟

 


واجهت هذا النوع من التمييز في لبنان بشكل يومي؛ أي الاستغلال، والتنازل لأحد ما، وعدم التعامل بجدية، والحكم على الشخص بحسب مظهره الخارجي وملابسه، بدلا من قدراته. هذه الأمور كانت جزءا لا يتجزأ من حياتي الشخصية والمهنية، كما شكلت سببا رئيسيا في قرار الهجرة.

 

 

 

 


- ما هي برأيك الصفات التي ساهمت في نجاحك؟


لم أتقبل يوما توقعات مجتمعنا حول شكل رحلتي الحياتية كامرأة، كما لم ألتفت إلى الضغوطات التي مورست لجعلي "متماشية"، في أي جانب من جوانب حياتي. الأمر الوحيد الذي أفعله دوما هو الاستماع إلى صوتي الداخلي، والأمر الوحيد الذي أوافق على فعله هو ما يجعل الحياة ذات مغزى بالنسبة الي فقط، وليس بالنسبة الى عائلتي أو زملائي.


كنت على استعداد لتحمل المخاطر الكبيرة كي أصل الى المكان الذي كنت أرغب في الذهاب اليه، خصوصا عندما تركت كل شيء وانتقلت للعيش في لندن لوحدي.


ولا بد من الاشارة الى أنني احتضنت إمكانات شبكة الإنترنت منذ البداية، بحيث كانت مسيرتي مفتوحة دائما نحو الخارج على مصراعيها. ولحسن الحظ أيضا، لم تقف عائلتي في طريقي، وهذا أمر غير معتاد في لبنان.
وأخيرا يجدر القول أنني جيدة جدا في ما أقوم به، وأتمتع بدرجة عالية من المهارة، كما أنني شخص عمليّ للغاية، وأنشد الكمال في عملي.

 


- ما هي مشاريعك المستقبلية؟


أنا لا أضع الخطط، لأنها قد تقف في طريق اصطياد فرص غير متوقعة، لذلك أعيش كل يوم بيومه. كما أنني حاليا أفعل بالضبط ما أريد فعله، أي الغرق في تحقيق رؤيتي الفنية في الحياة. وأسعى اليوم الى التمتع بعملي، وبشقتي الجميلة، وأصدقائي الرائعين، دون الحاجة إلى القلق حول كيفية دفع الفواتير.


اشارة الى أنني أفكر حاليا في التعاون مع بعض الجهات، علما أنني أتعاون بالفعل مع فنانين في النجارة. كما أنظم معرضا لشهر كانون الأول في مكان مميز جدا.

 


- كيف تمكنت من التنسيق بين عملك وحياتك الخاصة؟


أود أن أشير الى أن هذا السؤال يظهر "كراهية للنساء"، فلا أحد يسأل الرجل كيف يتمكن من التنسيق بين الحياة والعمل. وبالتالي فإن الحصول على مسيرة مهنية وحياة شخصية في الوقت نفسه، ليست مفارقة أو تناقض، بل هي الحياة!

 

 


- على صعيد حقوق المرأة، ما هي برأيك المعوقات التي تقف في طريق تقدم النساء في لبنان؟

 


من أين أبدأ! نحن تربينا على التفكير في المرأة كمواطنة من الدرجة الثانية، لا يمكن أن تتواجد أو تعيش، إلا من خلال وعبر الرجل. وهذه الفكرة مترسخة في رؤوسنا، والنظام يدعمها. فالمرأة تتحمل العديد من القوانين المتخلفة، التي تضمن أن تبقى تحت رحمة أقاربها الذكور.

 


كما أن بعض العائلات لا تتمكن من معاملة أبنائها وبناتها على قدم المساواة؛ فالشاب يحصل على الحرية الكاملة، بينما تبقى الفتاة مراقبة ومقيدة بشكل مستمر، وقد تُعامل في الكثير من الأحيان كخادمة في المنزل.

 

 

 

 

فكيف يمكن التخلص من قرون من الأغلال، عندما لا نجد من يساعدنا؟


اذا تعرضت المرأة للاغتصاب، لا تدافع الشرطة عنها، وإذا وقعت ضحية للعنف المنزلي، يرسلونها مرة جديد الى زوجها كي يتمكن من ضربها أكثر! فلتتجرأ المرأة أن تعيش بدون رجل، أو تتطلّق؛ فالقانون هو 100% ضدها.
الذكورية في لبنان قد لا تكون فظيعة علنا كما هو الحال في الدول المجاورة، إلا أنها في الواقع فظيعة جدا، انما في حالة إنكار.

 


- ما رأيك بالتقدم الذي حققته المرأة في لبنان على صعيد الحقوق؟


أي تقدم؟ لم أسمع عن أي شيء ذات أهمية، بل أرى أن الأمور تزداد سوءا! لا يمكن للمرأة أن تمرر جنسيتها الى أولادها، ولا تتمتع بحقوق قانونية كافية، كما تتعرض للعنف أكثر فأكثر!


أرى الناس يحتجون من أجل التغيير، لكن التغييرات لا تحدث. لذلك عندما يتم إعادة كتابة القوانين، يمكننا الحديث عن بداية التقدم.

 

 

- كيف تقيمين دور الرجل في لبنان؟


يمكن أن يكون إيجابيا، لكنه للأسف ليس كذلك!

 

 


- هل لديك طموح سياسي؟ وهل تؤيدين اقرار الكوتا النسائية في المجلس النيابي؟


ليس لدي طموحات سياسية على الإطلاق، لكنني متأكدة من أن الكوتا هي أمر ضروري لإخراج البلاد من دورة الجنون.


كبداية، أكثر من نصف السكان هم من الإناث، لذلك لا يوجد سبب منطقي يمنع أن يكون نصف البرلمان للنساء. وعلاوة على ذلك، فإن العديد من البلدان في جميع أنحاء العالم، وليس فقط الدول المتقدمة، فهمت الحاجة الى وجود النساء في الحكومة. فالمرأة هي المسؤولة عن جميع جوانب الأسرة؛ التغذية، والتعليم، والحفاظ على نظافة الأشياء وتشغيلها، ومؤخرا الميزانية. وبالتالي فإن اقتصادات بأكملها، في العالم، تقع على عاتق النساء.

 

كما أن هناك شركات للتأمين تكفل المرأة فقط، لأنها أكثر مصداقية. واليوم أصبحت من الحقائق المقبولة في أماكن عدة، أن المرأة هي ببساطة أكثر مصداقية! ونحن نعلم ذلك في لبنان، حيث يعتمد الرجال على أمهاتهم طيلة حياتهم. لكننا مشبعون بالأفكار الذكورية التي لا تسمح لنا بالاعتراف بذلك!

 


المرأة مؤهلة بشكل أكبر لتشغيل البلاد، والاهتمام بالمواطنين. ولقد حان الوقت، في هذا البلد على وجه الخصوص، لإعطاء زمام الأمور لأشخاص مؤهلين لادارة دولة، دون الاستعانة ببنادقهم عند أدنى استفزاز. فالمرأة تقدر الحياة وتعمل من أجل الحياة بشكل غرائزي. أكره القول أن الرجل لا يقدر الحياة بالطريقة نفسها، ولكن يمكن أن نتأكد من ذلك بمجرد إلقاء نظرة على السنوات الـ40 الماضية من تاريخنا، والأزمات التي حصلت والحوادث، والكفاح والحرب والخسائر فادحة في الأرواح، والاختناق الاقتصادي.


لقد حان الوقت ليعترف أحد المسؤولين بأن الطقم السياسي فظيع حقا في ما يقوم به، وبأن البلد بحاجة الى المزيد من الأصوات من النصف الأكبر من السكان.

 

 

- ما هي نصيحة جمانة مدلج الى المرأة؟


توقفوا عن الاهتمام بهراء التحيز الجنسي! ولا تسمحوا للعائلات بأن تحكم حياتكم. وأقول للمرأة "توقفي عن الحكم على نفسك من خلال مظهرك، أو وضعك العاطفي أو حتى امكانيتك على الانجاب! غادري المنزل الأبوي عندما يسمح لك سنك، واقضي بضع السنوات مستقلة عن الرجال، كي تتمكني من التعرف الى نفسك كشخص. ثم اذهبي وقومي بما تريدينه، سواء كان ذلك انجاب الأطفال، أو البقاء عزباء ومهنية طوال حياتك. توقفي عن المشاركة في اضطهاد المرأة في بلادنا. فالنظام لا يمكن أن يفعل ذلك، إن لم نكن شركاء وعلى استعداد للتآمر! تحملي المسؤولية وغيّري نفسك، أولا وقبل كل شيء!".